في وسط قطاع غزة، وتحديدا في مدينة دير البلح، لم تعد الخيام تقتصر على إيواء النازحين، بل تحولت إحداها إلى مساحة صغيرة لحفظ البذور المحلية وإكثارها. تصطف على جدرانها رفوف تحمل أكياس خيش كبيرة وعبوات بلاستيكية بسيطة، في محاولة لإبقاء جزء من الزراعة المحلية حيا وسط الدمار الواسع الذي أصاب القطاع.
لا يتعلق الأمر هنا بمجرد مكان لتخزين البذور وتوثيقها بعناية، بل بمحاولة لحفظ التنوع الزراعي وما تبقى من الأصناف المتوارثة أو ما تعرف بالبذور البلدية، في وقت دمّر فيه الاحتلال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية اللازمة للإنتاج أو حالت دون الوصول إليها.
ومن هذه الحاجة، وُلد بنك بذور محلي صغير من جديد على يد المزارع الغزي سلامة مهنا المعروف بـ"أبو هاني" وعائلته، في محاولة لإنقاذ ما أمكن من الأصناف الزراعية المحلية، وإعادة حفظ ما تبقى من التراث الزراعي الفلسطيني، تمهيدا لإعادة الأرض إلى الإنتاج واستعادة القطاع الزراعي المنكوب في غزة.
جاءت فكرة إنشاء بنك للبذور عام 2013، انطلاقا من الحاجة إلى البذور البلدية المحلية، بعد مشكلات واجهها المزارعون خلال حملات إسرائيل على قطاع غزة في أعوام 2008 و2012 و2014، ولا سيما مع البذور الهجينة التي قد تتراجع بعض صفاتها الإنتاجية عند إعادة زراعتها في المواسم اللاحقة، ما دفع إلى البحث عن بديل محلي يمكن الاحتفاظ ببذوره وإعادة استخدامها.
وكان بنك البذور أحد هذه البدائل، إذ دخل حيز التنفيذ عام 2017 بوصفه جهدا أسريا قاده المزارع السبعيني سلامة مهنا وابنته هنادي، البالغة 38 عاما، في بلدة القرارة قرب محافظة خان يونس جنوب القطاع، وهي منطقة سَوّتها قوات الاحتلال بالأرض بالكامل الآن وأصبح الوصول إليها متعذرا- بهدف جمع البذور المحلية وتوفير إمدادات موثوقة منها للمزارعين.
ويوضح محمد زيمو، منسق المتابعة والتقييم والمساءلة والتعلم والتعاون في منتدى غزة للزراعة الحضرية وشبه الحضرية (GUPAP)، أن سلامة وفريقه بدأوا بجمع وحفظ 15 صنفا محليا، قبل أن تتطور المبادرة عام 2019، مع تلقي الدعم، إلى غرفة تخزين أكثر ملاءمة، مزودة بوسائل للتبريد التقليدي باستخدام الفخار، ومعدات للغربلة والتجفيف.
التعليقات (0)