f 𝕏 W
ترمب والحرب على إيران : ارتباك استراتيجي أم اختبار إرادات؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

ترمب والحرب على إيران : ارتباك استراتيجي أم اختبار إرادات؟

الخميس 30 أبريل 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

لم يعد تمديد الهدنات في المنطقة مجرد إجراء تكتيكي لاحتواء التصعيد، بل بات يحمل دلالات سياسية أعمق، تتجاوز حدود الميدان إلى رسائل استراتيجية موجهة مباشرة إلى طهران، فكل هدنة تُمدد دون أفق واضح تُقرأ في العقل الإيراني على أنها دليل إضافي على غياب استراتيجية أمريكية حقيقية، وأن التهديدات التي تُطلق من واشنطن، وخصوصًا من قبل دونالد ترمب، لا تتمتع بالثبات ولا بالقدرة على التحول إلى أفعال مستدامة.هذا التآكل في مصداقية الموقف الأمريكي لا يأتي من فراغ، بل يتغذى من سلسلة من التقلّبات الحادة في سلوك الإدارة، حيث تتبدى السياسة الخارجية وكأنها تُدار بردود الفعل لا وفق خطة مدروسة، من إرسال مبعوثين إلى عواصم مثل إسلام آباد، إلى إلغاء الزيارات بشكل مفاجئ، تتكرّس صورة إدارة تفتقر إلى بوصلة واضحة، ما يضعف قدرتها على فرض شروطها أو حتى الحفاظ على تماسك روايتها السياسية.في قلب هذا الارتباك يقف ترمب محاولًا التوفيق بين متطلبات متناقضة، فهو يسعى لإرضاء إسرائيل من جهة، واستمالة الداخل الأمريكي من جهة أخرى، لكنه يفشل في تحقيق التوازن بينهما، هذه الازدواجية لا تضعف فقط موقعه التفاوضي، بل تكشف حدود قدرته على إدارة صراع مركّب تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الاقتصادية والانتخابية.داخليًا، لم يعد الحزب الجمهوري كتلة متماسكة كما كان يُروّج، بل يشهد انقسامًا متزايدًا بين جناحين متباينين؛ أحدهما يميل إلى التصعيد ويُحركه منطق القوة وعقيدة التحالف غير المشروط مع إسرائيل، بينما يتنامى جناح آخر أكثر حذرًا، بدأ يُدرك كلفة الانخراط في صراعات مفتوحة، ليس فقط على مستوى الأمن القومي، بل أيضًا على مستوى الفساد واستغلال النفوذ داخل مؤسسات الحكم، وهو ما يغذي بدوره حالة غضب شعبي متصاعدة.أما على طاولة التفاوض، فإن ما يجري لا يمكن وصفه بمفاوضات بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور المعركة حول صياغة شروط بقدر ما تدور حول اختبار القدرة على التحمّل، فكل من واشنطن وطهران دخلتا مسار التهدئة بدافع تجنب الانفجار الكبير وحفظ ماء الوجه، لا بدافع الوصول إلى تسوية حقيقية، وبينما تتمسك إيران بثوابتها المتمثلة في برنامجها النووي، وصواريخها الباليستية، وشبكات نفوذها الإقليمية، ترفض الولايات المتحدة تقديم تنازلات جوهرية، خصوصًا فيما يتعلق برفع العقوبات أو كبح التصعيد الإسرائيلي في المنطقة.في هذا السياق، تتحول المفاوضات إلى ساحة صراع غير مباشر عنوانها: من يستطيع تحمّل الألم أكثر، الألم هنا ليس فقط اقتصاديًا، بل يمتد إلى البعد الإنساني والسياسي، حيث تُستخدم الضغوط كأداة لإجبار الطرف الآخر على التراجع دون إعلان الهزيمة.سعي ترمب للخروج من هذا المشهد بمظهر المنتصر يدفعه إلى البحث عن إنجاز ملموس، حتى لو كان رمزيًا، غير أن محاولاته المتعجلة، بما في ذلك عمليات عسكرية محدودة أو مهام خاصة فاشلة، تكشف أن الهدف ليس بناء استراتيجية طويلة الأمد، بل انتزاع "غنيمة" يمكن تسويقها داخليًا كدليل على النجاح.في المقابل، تبدو إيران أكثر قدرة على التكيّف مع طبيعة الصراع غير التقليدي، إذ تعتمد على أدوات منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية، مثل الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، في مواجهة ترسانة أمريكية ضخمة لكنها مكلفة وهشة في آن واحد، هذا التفاوت في طبيعة الأدوات يعيد تعريف موازين القوة، حيث لم تعد الكلفة المالية وحدها معيار التفوق.أما الخيار العسكري في مضيق هرمز، الذي يُطرح أحيانًا كأداة ضغط، فيبدو أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع، فإغلاق المضيق أو محاولة السيطرة عليه سيؤدي إلى تداعيات كارثية، ليس فقط على إيران، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، وفي مقدمته الاقتصاد الأمريكي، ارتفاع أسعار الوقود، وتضرر قطاع الطيران، وتضاعف تكاليف الإنتاج الزراعي، كلها مؤشرات على أن هذا الخيار يحمل كلفة سياسية داخلية لا يمكن لإدارة أمريكية، خصوصًا في عام انتخابي، أن تتحملها.وهكذا يتحول الحصار من أداة ضغط إلى سلاح ذي حدين، قد يصيب واشنطن بقدر ما يستهدف طهران، إن لم يكن أكثر، فالعالم اليوم أكثر ترابطًا، وأي اضطراب في شريان حيوي مثل مضيق هرمز ينعكس فورًا على الأسواق العالمية، بما يجعل من استخدامه كورقة ضغط مغامرة غير محسوبة.في المحصلة، لا يبدو أن الصراع يتجه نحو حسم قريب، بل نحو إدارة طويلة للأزمة، حيث يستمر كل طرف في اختبار حدود الآخر دون الوصول إلى نقطة الانفجار، وفي ظل غياب استراتيجية أمريكية واضحة، وتماسك نسبي في الموقف الإيراني، يبقى المشهد مفتوحًا على مزيد من الاستنزاف، لا على تسوية حقيقية.

ترمب والحرب على إيران : ارتباك استراتيجي أم اختبار إرادات؟

د. صقر الجبالي استاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)