الخميس 30 أبريل 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس
الحلقة الأولىسميرة العدرة: شقيقي كان في الكويت حين انضم إلى "فتح" مع أبو عمار وبدأ نشاطه التنظيمي هناكبلال العدرة: والدي كان يعلّمني أن الحياة لا تنتظر العدالة بل يجب صناعتها وعلى الإنسان ألا يستسلمرامين العدرة: والدي كان شغوفاً منذ طفولته بالسياسة ويشارك في الفعاليات المدرسية المرتبطة بفلسطينضياء العدرة: كان عمي شخصية شديدة الهدوء والحنان وقريباً من القلب ولم يمارس عنفاً أو إساءة لأحدعبد الله العرابيد: العدرة التحق مبكراً بـ"فتح" وكان ناشطاً باتحاد الطلاب قبل أن تتغير مساراته لاحقاًرام الله - خاص بـ"القدس"-لم يكن محمود العدرة (75 عاماً)، المعروف حركياً باسم "هشام حرب"، بالنسبة لعائلته مجرد اسم ارتبط بتاريخ طويل من العمل الوطني، بل شكّل على امتداد حياته ركناً أساسياً داخل أسرته، جمع بين دور الأب والقائد، وحمل منذ سنوات شبابه المبكرة همّ العائلة إلى جانب انخراطه في مسار سياسي امتد لعقود عبر أكثر من دولة ومنفى، لكن تلك المسيرة انتهت قسراً في السجون الفرنسية.منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدأت رحلة العدرة من الكويت، حيث انخرط في صفوف حركة "فتح"، قبل أن تتسع مسيرته بين العراق وسوريا وليبيا وتونس، وصولاً إلى عودته إلى الأراضي الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الغياب، ليواصل حضوره داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية حتى تقاعده.غير أن الفصل الأخير من حياته، كما تؤكد عائلته وأصدقاؤه، في أحاديثهم مع "ے"، جاء مختلفاً وقاسياً، بعدما انتهت تلك المسيرة بتسليمه إلى السلطات الفرنسية، في خطوة تقول أسرته إنها لم تكن مجرد إجراء قانوني، بل لحظة صادمة فتحت جرحاً عائلياً وإنسانياً عميقاً، وزادت المخاوف بشأن مصيره في ظل تدهور وضعه الصحي ومعاناته من الأمراض وتقدمه في السن.تاريخ مبكر في العمل الوطنيتروي سميرة خضر العدرة، شقيقة محمود العدرة، وتعود أصوله إلى مدينة يطا جنوب الخليل ويسكن مع أسرته في مدينة رام الله، ملامح طويلة ومتشعبة من حياة شقيقها، الذي تصفه بأنه لم يكن مجرد فرد في العائلة، بل كان قائداً منذ الطفولة، وركيزة أساسية حملت همّ العائلة والنضال الفلسطيني في آن واحد، قبل أن تنتهي رحلته الأخيرة في سياقٍ تصفه العائلة بأنه "تسليم صادم" من السلطة الفلسطينية إلى السلطات الفرنسية.تستعيد سميرة بدايات العائلة في مدينة يطا، حيث وُلد محمود في أسرة مكونة من ثمانية أفراد: الأب والأم، وأربع بنات وولدين.وتقول سميرة: "إن حياة شقيقي محمود بدأت مبكراً مع مسار مختلف عن أقرانه، إذ انخرط في العمل الوطني منذ عام 1969، في وقت كانت فيه العائلة تقيم في الكويت بعد انتقالها إليها عام 1967".وتوضح سميرة أن شقيقها محمود كان في الكويت حين انضم لحركة "فتح" إلى جانب الرئيس الراحل ياسر عرفات "أبو عمار"، وبدأ نشاطه التنظيمي هناك، قبل أن تمتد إقامته مع العائلة في الكويت حتى عام 1970، لتعود لاحقاً إلى الضفة الغربية، فيما ظل هو يحمل مشروعه النضالي المتنامي، وبدأ وهو فتى العمل وتجنيد زملائه بالمدرسة في العمل الوطني.قائد داخل العائلةوتصفه شقيقته بأنه كان "قائداً داخل العائلة قبل أي موقع آخر"، إذ كان مسؤولاً فعلياً عن شقيقاته الأربع بعد غياب الأب والأخ الأكبر، وكان يُنظر إليه داخل البيت بوصفه أباً، يتحمل مسؤولية الحماية والدعم والتوجيه، وهي صورة تقول إنها بقيت ملازمة له طوال حياته.وتؤكد سميرة أن شخصية محمود كانت محبوبة على نطاق واسع، ليس فقط داخل العائلة، بل بين الجيران والمجتمع، إذ عُرف بهدوئه وقربه من الناس، وبعلاقاته الاجتماعية الواسعة، إلى درجة أن اسمه كان يتكرر في كل مكان يذهب إليه.حارس المرمى الذي لم يخسر وتستعيد سميرة مرحلة الدراسة في مدينة يطا، حيث كان محمود لاعب كرة قدم بارزاً وحارس مرمى فريق مدرسة يطا الثانوية منذ بداية السبعينيات وحتى إنهائه مرحلة الثانوية العامة (التوجيهي)، مشيرة إلى أن الفريق لم يكن يخسر كثيراً بوجوده، ما جعله شخصية معروفة ومحبوبة بين الطلاب والسكان على حد سواء.وبالتوازي مع نشاطه الرياضي، بدأت ملامح العمل التنظيمي تظهر داخل المدرسة، وفق رواية شقيقته، حيث كان محمود يشكل مجموعات طلابية، ويوزع منشورات، ويرفع العلم الفلسطيني في فتراتٍ كان فيها العمل الوطني يتم بسرية شديدة ووسط مخاطر كبيرة.الدراسة والمنفىوتشير سميرة العدرة إلى أن حياة شقيقها محمود لاحقاً شهدت انتقالات واسعة، إذ التحق بدراسة تخصص آداب اللغة الإنجليزية بالجامعة المستنصرية في العراق، ثم عاد بزيارة لفترة قصيرة إلى الضفة الغربية، وبعدها عاد إلى العراق ومنع من العودة لاحقاً بعد وضع اسمه على المعابر، لتبدأ مرحلة طويلة من الغياب القسري عن العائلة.وتروي سميرة أن غياب شقيقها محمود استمر سنوات طويلة دون معرفة واضحة بمكانه، حيث تنقل بين صفوف حركة فتح ومواقع مختلفة في إطار العمل الثوري، فيما كانت العائلة تبحث عنه دون نتيجة، حتى قيل لاحقاً إنه موجود في سوريا، ثم في ليبيا، دون أن يتمكنوا من الوصول إليه.المفاجأة جاءت وفق شقيقته سميرة، في عام 1994، حين وردت إشارة من الرئيس الراحل ياسر عرفات تؤكد وجوده، مع وعود بترتيب عودته مع مجموعة من المناضلين، وهو ما تحقق لاحقاً عام 1996، عندما دخل محمود إلى قطاع غزة مع عدد من رفاقه، بعد سنوات من الغياب الطويل.وتصف سميرة لحظة عودة شقيقها محمود بأنها كانت حدثاً استثنائياً، إذ تم استقباله في غزة برعاية القيادة الفلسطينية آنذاك، وكان برتبة عقيد، دون أن تكون العائلة على علمٍ بتفاصيل تنقلاته أو مساره خلال سنوات الغياب.تسليمه والمقايضة غير المفهومةوتشير سميرة إلى أن العلاقة مع السلطة الفلسطينية استمرت بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات، حيث بقي محمود في موقعه إلى حين تقاعده، وبعد نحو 17 عاماً من تقاعده، تفاجأت العائلة بقرار تسليمه إلى السلطات الفرنسية في ظروف سياسية مرتبطة بتوقيع اتفاقات أو تفاهمات سياسية، وهو ما تعتبره العائلة "مقايضة غير مفهومة" على حساب المناضلين.وتعبّر سميرة عن صدمتها قبيل فترة التسليم، مؤكدة أنها توجهت إلى سجن للشرطة الفلسطينية في الخليل لتجد شقيقها محاطاً بعشرات العناصر الأمنية، في مشهدٍ وصفته بأنه مهين لرجل أفنى حياته في النضال.وتشير إلى أنها حاولت التواصل مع جهات رسمية متعددة ومسؤولين سياسيين ووزراء، وحتى رئيس الحكومة، دون أن تجد تجاوباً حقيقياً، حيث قيل لها إن القرار صادر عن القيادة العليا ولا يمكن التراجع عنه.وتنتقد شقيقة العدرة بشدة ما تصفه بـ"مرحلة التسليم"، معتبرة أن ما يحدث يمثل تحولاً خطيراً في التعامل مع رموز النضال الوطني، وأن القضية لم تعد قضية فردية، بل قضية وطنية تتعلق بتقدير تاريخ طويل من العمل السياسي والنضالي.خشية على صحته ومطالبة بزيارتهوتشير سميرة العدرة إلى أن شقيقها محمود يعاني من أمراض خطيرة، بينها سرطان القولون، إضافة إلى أمراض أخرى مزمنة، مطالبة السلطات الفرنسية بالنظر إلى وضعه الصحي والإنساني، والعمل على توفير العلاج والرعاية اللازمة له.وتوجه سميرة العدرة نداءً إلى المجتمع الدولي والدول الأوروبية والدول العربية، داعية إلى التدخل من أجل إنصافه، معتبرة أنه قضى حياته بين النضال والعمل السري والتنقل بين عدة دول، دون أن يحصل على استقرار حقيقي.وتشير سميرة العدرة إلى أن العائلة لا تزال تجهل تفاصيل الوضع الحالي لشقيقها محمود في فرنسا، وتطالب بآلية واضحة للتواصل معه وزيارته، أو على الأقل الاطمئنان على حالته الصحية والقانونية، مؤكدة استعدادها للذهاب إلى أي مكان من أجل رؤيته ومساندته، مؤكدة أن شقيقها محمود العدرة "انتُزع من القلب"، معتبرة أن غيابه ليس مجرد فقدان شخص، بل فقدان جزء من الذاكرة العائلية والتاريخ الشخصي، وأنه سيبقى، رغم كل الظروف، رمزاً في نظر أسرته ومحبيه لكل ما ارتبط بالنضال والكرامة والإنسانية.محمود العدرة وفكره النضالييروي بلال العدرة، نجل محمود العدرة، ملامح من سيرة والده النضالية والإنسانية، واصفاً النضال في حياته بأنه "شعلة لا تنطفئ مهما اشتدت الريح"، وأنه لم يسمح لأي عقبة أن تنال من عزيمته أو من إصراره على المقاومة والمطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.ويؤكد بلال أن والده كان يعلّمه دائماً أن الحياة لا تنتظر العدالة، بل يجب العمل من أجل صناعتها، وكان يقول له: "إن الله فوق الجميع، وإن الإنسان يجب ألا يستسلم عند الضعف، بل يحوّله إلى تجربة ودروس للمضي قدماً"، كما كان يؤكد له أن جوهر الإنسان الحقيقي يكمن في إنسانيته ورحمته وحكمته وسعيه المستمر.ويشير بلال إلى أن والده كان ينظر إلى النضال بوصفه مساراً متعدد الأشكال، لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يشمل العمل الإعلامي الذي ينقل صوت الفلسطينيين في الشتات، إضافة إلى العمل الطلابي الذي يسهم في تنظيم الشباب وعدم نسيان جوهر القضية الفلسطينية.ويستعيد بلال ذكريات طفولة والده في مدينة يطا جنوبيّ الخليل، حيث كان يروي لهم عن صعوبة الوصول إلى المدارس في ظل الطبيعة الجبلية للمنطقة آنذاك، وعن مشقة الطريق ذهاباً وإياباً، إلى جانب ما كان يصفه من معاناة مع الاحتلال الذي يحاول طمس الهوية الفلسطينية من خلال الحواجز والانتهاكات اليومية.الأب والقائدويؤكد بلال أن والده كان بمثابة القائد والأب الحنون في آنٍ واحد، إذ لم يدّخر جهداً في توفير ما يستطيع من أجل حياة كريمة لأبنائه وتعليمهم وتربيتهم، حتى في سنوات الشتات الطويلة، مشيراً إلى أن غيابه اليوم خلّف فراغاً كبيراً لا يمكن تعويضه.ويرى بلال أن قضية والده لا تخص العائلة وحدها، بل هي قضية كل إنسان حر وشريف يدرك معنى الوطنية والإنسانية، لأن ما قدمه في حياته كان جزءاً من مشروع نضالي أوسع مرتبط بالهوية الفلسطينية التي واجهت محاولات تشويه متواصلة.تجربة نضاليةويشير بلال إلى المسار الطويل الذي خاضه والده في العمل الثوري، بدءاً من دراسته في مدارس يطا، مروراً بسفره إلى بغداد ودراسته في جامعة المستنصرية حيث درس أدب اللغة الإنجليزية، ومشاركته في العمل الطلابي والإعلامي لنقل صوت الثورة الفلسطينية.كما تنقل محمود العدرة بحسب ابنه بلال، لاحقاً بين ليبيا وتونس ومصر، قبل أن يعود إلى غزة مع عودة السلطة الوطنية الفلسطينية، حاملاً معه تجربة نضالية ممتدة عبر المنافي، ومتشبثاً بفكرة الحرية حتى النهاية.
محمود العدرة.. حكاية مقاتل قديم من المنافي إلى الغياب القسري في السجون الفرنسية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)