غزة – عن أم شابة فقدت زوجها، وعن أمها التي صارت أرملة في اليوم نفسه، وعن أب يؤجل بكذبة صغيرة مواجهة ابنه بحقيقة موجعة، وعن بحار يحمل حذاء طفله المفقود كراية لقارب أنهكه البحر؛ يكتب أحمد عيسى في مجموعته القصصية "بلاد العجب " عن غزة التي تتجاوز مأساتها حدود ما تلتقطه الكاميرات، وعن البشر الذين تتركهم الحرب خلفها، يحملون خسارات لا تنتهي بانتهاء القصف.
في هذه المجموعة، لا تبدو الحكايات مجرد محاولات لتسجيل وقائع الحرب، بل مسعى لاستعادة وجوه غيّبها الموت، وأصوات كادت تضيع وسط ضجيج الانفجارات، وأحلام صغيرة لم تجد طريقها إلى الحياة. هنا أطفال يطاردون رغيف خبز بين فوهات البنادق، وآباء يخفون الحقيقة عن أحبائهم، ونساء يواجهن الفقد، وناجون يجدون أنفسهم أمام حياة لم تعد تشبه ما عرفوه.
وتستمد قصص مثل "أنين الروح " و "إجابة خاطئة " و "أرملتان " وغيرها مادتها من وقائع وتجارب إنسانية عاشها الفلسطينيون خلال الحرب، لتعيد صياغتها في قوالب أدبية تتجاوز التسجيل المباشر إلى استكشاف ما تتركه الكارثة في النفس والذاكرة.
في "أغنية رفح الأخيرة "، يحضر الطفل يزن شاهدا على مجزرة حقيقية أودت بحياة عشرات الأبرياء، فيما تروي "أمنية الفتى الطائر " حكاية عماد، الذي نجا وحده من قصف عمارتهم، بعدما قذفت به قوة الانفجار عشرات الأمتار، قبل أن تتلقفه شجرة كأنها أم تحتضن وليدها.
وتستعيد قصة "أنين الروح " مأساة الطبيب حسام أبو صفية، الذي تلقى نبأ استشهاد ابنه بينما كان يؤدي واجبه في علاج الجرحى. حمل وجعه، وكفّن ابنه وواراه الثرى، ثم عاد إلى المستشفى ليواصل إنقاذ الآخرين، قبل أن ينتهي به المطاف أسيرا بعيدا عن مرضاه الذين ظل حاضرا بينهم. إنها حكاية تختصر التناقض القاسي الذي فرضته الحرب على أطباء غزة: أن يواجهوا موت أحبائهم، ثم يعودوا إلى مواجهة الموت في أجساد الآخرين.
ومع ذلك، لا تدّعي "بلاد العجب " الإحاطة بكل ما جرى؛ فما ترويه، على قسوته، ليس سوى شذرات من مأساة أوسع من أن تستوعبها الحكايات كلها.
التعليقات (0)