يهيم المواطنون على وجوههم في شوارع قطاع غزّة وأزقّته المنهكة، باحثين عن أمانٍ أو سكنٍ يلملم شتات حياتهم بعد استهداف أحيائهم ومنازلهم، ويخيّم الحزن على من فُجعوا بأحبتهم، ويصارع آخرون لتأمين أدنى مقوّمات البقاء في خيامٍ تهالكت من المطر، بين طوابير الماء والتكايا والبحث عن قبس ضوءٍ في العتمة.
وفي وادٍ آخر، يمرّ الخطاب السياسي، إذ أعلن مرسومٌ رئاسيٌّ في التاسع من يوليو/تموز الماضي إجراء انتخاباتٍ تشريعيةٍ في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، قبل أن يصدر مرسومٌ آخر يؤجّلها إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027، في تكرارٍ لسابقة التأجيل في أبريل/نيسان 2021، وما بين القرارين، بدا التفاعل الشعبي ضعيفاً، وكأنّ الشارع لم يسمع لا بالانتخابات ولا بتأجيلها.
يكشف هذا التقرير عن الفجوة بين أجندات السلطة والفصائل ومنظّمة التحرير من جهةٍ، وأولويات الشارع من جهةٍ أخرى، وهو شارعٌ بات يقيس جدوى العملية الديمقراطية بأسئلةٍ وجوديةٍ تمسّ معيشته وأمنه وحماية أطفاله. أخبار ذات صلة صحيفة أمريكية: تأجيل الانتخابات يرسخ هيمنة عباس ويعمق أزمة "شرعية" السلطة الفلسطينية إعلام عبري: "الليكود" يستبق الانتخابات بإعداد شكاوى كاذبة لتزوير الصناديق في البلدات العربية
نبض الشارع كشفت حوارات مع مواطنين ومواطناتٍ عن حالةٍ عميقةٍ من الانفصال، والإحباط، واللامبالاة السياسية، تحت وطأة الموت والإنهاك المعيشي، فمن قلب مخيّم الكرامة، تعبّر المواطنة أمّ محمّد حمّاد بصوتٍ يختزل القهر والخذلان والواقع الميداني القاسي" عن أي انتخابات تتحدثون ونحن نعيش الموت كلّ يومٍ ألف مرةٍ؟ فمع ساعات الفجر الأولى تبدأ الروافع وآليات الاحتلال ودبّاباته وبوارجه الحربية بإطلاق النار العشوائي والمباشر صوبنا، وعلى الرغم من أنّنا نبعد عن حدود ما يُسمى "الخطّ الأصفر" زهاء أربعة كيلومترات، إلّا أنّ رصاص الاحتلال يستهدف مخيّمنا يومياً، ويصطاد المواطنين واحداً تلو الآخر، نعيش تحت خطر القتل المباشر من دون أن يشعر بنا أحدٌ، لا صاحب قرار، ولا سياسي، ولا مراهن على انتخابات، ولا غيرهم".
وتساءلت عمّار "كيف يمكن لأي جهةٍ أن تفي بوعودها والوضع برمّته رهن إرادة الاحتلال في إدخال المساعدات أو منعها؟
أما المواطنة ميسرة عمر فتسلّط الضوء على المعضلة المعيشية الّتي تحول دون تفكير الشارع في أي استحقاقٍ سياسي "برأيي، كلّ أبناء الشعب الفلسطيني يرغبون في التغيير نحو الأفضل، ويتشوقون لممارستهم حقّهم الانتخابي للتغيير، لكنّ للانتخابات وقتها وزمانها المناسبَين، اليوم وما إن يُفتح نقاشٌ حول الانتخابات أو تأجيلها، حتّى يقاطعك الآخرون بصرخةٍ واضحة: نحن في ماذا وأنتم في ماذا؟ هل هذا وقت الحديث عن انتخابات والبلد يعيش تحت وطأة الإخلاءات والإنذارات والخوف والرعب الدائم؟".
التعليقات (0)