قبل أن يغادر الفلسطيني منزله إلى عمله أو جامعته في مدينة أخرى، بات عليه أن يتفقد هاتفه لمعرفة أحوال الطرق. ففي تطبيق تليغرام، توجد مجموعات إخبارية مختصة بأحوال الطرق، يتبادل فيها السائقون والمواطنون معلومات عن الحواجز المفتوحة والمغلقة، وأماكن الازدحام والطرق البديلة، إذ تتغير حالة الحاجز الواحد أكثر من مرة خلال دقائق معدودة. وأصبحت متابعة هذه المجموعات أو التطبيقات عبر الهواتف الذكية جزءاً من السلوك اليومي للفلسطينيين، في ظل اتساع رقعة الإغلاقات الإسرائيلية التي تقطع الطرق بين مدن الضفة الغربية المحتلة وقراها، خصوصاً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وجاء إعلان جيش الاحتلال إغلاق المعابر مع الضفة الغربية، يوم غد الثلاثاء في يوم انتخابات الكنيست، ليعيد مسألة قيود التنقل إلى الواجهة. إذ دأبت إسرائيل على اتخاذ إجراءات مماثلة خلال الأعياد والمناسبات والانتخابات، لكنها كانت تتعلق أساساً بإغلاق المعابر وتقييد دخول الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة عام 1948، من دون أن تعني بالضرورة إغلاق الطرق بين المدن والقرى الفلسطينية. أما الإغلاقات الداخلية، فقد توسعت بصورة كبيرة منذ السابع من أكتوبر 2023، بصرف النظر عن المناسبات التي تتذرع بها إسرائيل.
ربط المستوطنات في الضفة الغربية تكشف معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، الصادرة في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، حجم التوسع في منظومة الإغلاق، إذ بلغ عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق في الضفة الغربية 942، منها 824 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، إضافة إلى 118 عائقاً خطياً تشمل السواتر والخنادق وإغلاقات الطرق، تمتد على نحو 107.7 كيلومترات. وتتصدر محافظة الخليل القائمة بواقع 221 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، تليها رام الله والبيرة بـ160، ونابلس بـ120، وبيت لحم بـ78، والقدس المحتلة بـ62. كما رصدت الهيئة إضافة 13 بوابة وحاجزاً ثابتاً خلال الشهرين السابقين لتقريرها، بينها عشر بوابات حديدية في محافظة جنين. أخبار ذات صلة تأهب واسع في إسرائيل قبيل الانتخابات وإغلاق شامل في الضفة الغربية 3522 شجرة متضررة وخسائر تتجاوز مليون دولار خلال أسبوع في الضفة
وتسمح هذه المنظومة لجيش الاحتلال بالتحكم بحركة السكان بين التجمعات الفلسطينية، إذ قد يؤدي إغلاق بوابة واحدة إلى تعطيل الوصول إلى مدينة أو قرية، وإجبار المواطنين على استخدام طرق بديلة تستغرق وقتاً أطول. ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أيضاً إقامة مستوطنين بوابات حديدية على طرق فلسطينية، منها بوابتان قرب كفر نعمة وأم صفا بمحافظة رام الله والبيرة.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت إبراهيم ربايعة، أن إسرائيل راكمت خلال العقود الماضية منظومة معقدة ومتعددة المستويات للسيطرة على حركة الفلسطينيين، تبدأ بإغلاق المعابر التي تربط الضفة بالأراضي المحتلة عام 1948 أمام الأفراد والبضائع، وتمتد إلى تقييد التنقل بين المدن والبلدات. ويوضح أن إسرائيل تشدد هذه الإجراءات خلال المناسبات والانتخابات والأعياد، أو لأسباب تصفها بالأمنية، وكذلك لخدمة مشاريع استيطانية تتطلب تقييد حركة الفلسطينيين. ويعتبر ربايعة أن الإجراءات المتزامنة مع الانتخابات الإسرائيلية الحالية ليست جديدة أو استثنائية، لكنها تترافق هذه المرة مع الحملة العسكرية الإسرائيلية في الخليل ومناطق أخرى في الضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين. وفي رأيه فإن إسرائيل قطعت شوطاً كبيراً في تفتيت الضفة وتحويلها إلى معازل فلسطينية منفصلة، وفق ترتيبات جغرافية وأمنية وإدارية معقدة، مقابل تعزيز الترابط الجغرافي بين المستوطنات وتوسيع شبكات الاتصال بينها، مستفيدة من الظروف الدولية والإقليمية والمحلية والفلسطينية لاستكمال هذا المشروع.
وتجد أولوية حركة المستوطنين تعبيراً واضحاً في تصريحات مسؤولين إسرائيليين. ففي أغسطس/آب 2023، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن حقه وحق زوجته وأطفاله في التنقل على طرق الضفة الغربية أهم من حرية حركة الفلسطينيين، مبرراً ذلك بالاعتبارات الأمنية. وبعد اندلاع الحرب، طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإقامة مناطق عازلة حول المستوطنات والطرق التي يستخدمها المستوطنون ومنع الفلسطينيين من دخولها حتى لأغراض قطف الزيتون.
التعليقات (0)