صدرت المجموعة القصصية الجديدة "متاهة حمراء " للمتوكل طه، عن دار الانتشار العربي، في بيروت. وتضم قرابة خمسين حكاية، تناولت الواقع الفلسطيني، بدمه ومفارقاته وأحلامه وفجائعه، وتغيّت استشراف الغد، لعل عشبة تشهق بين الصخور. والقصص التي انغمست في الواقع المعيش الصعب، بدءا من تداعيات الإبادة، مرورا وعودة إلى جذور المأساة والمظلمة التاريخية، وصولا إلى الأزمات التي تحدّق بحرقة في المواطن، الذي يتمّ استلابه وقمعه ومصادرة تطلّعاته، هي نفسها الوقائع الذابحة التي تتصادى حول الفلسطيني، في شتى أماكن تواجده، وما تناسل عنها من إخفاقات وعقبات ونتوءات تعمل على تعميق الكارثة التي تحاصره، وعلى كلّ المستويات. وربّما تأخذنا متون الكتاب إلى السخرية والموت ودبق الجراح، التي تفيض حسرة وحرمانا وإحباطا، لكنّها لم تدوّم في البكاء والعبث والوَهْم، ولم تقبل المصير الخانق والعدميّ، بقدر ما تحاول تفكيك المشهد المركّب، لتعيد رسم المعادلة من جديد، حتى لا يفقد القارئ الطريق والأمل. وهذه المجموعة هي الإصدار الخامس والستين للكاتب الفلسطيني المتوكل، والتي توزّعت ما بين الشِعر والنقد والرواية والقصة والفكر والإعلام. وقد تناول الكتاب غير ناقد، عبّروا عن رأيهم فيما حمله من اقتراحات جَماليّة أو أفكار لافتة، إذ قال الكاتب عيسى قراقع: "يسألنا المتوكل طه؛ من انتصر حقا، المسؤول أم الذي ظلّ واقفا على الرصيف يحرس المعنى البسيط للوطن؟ إنه شاهد على أموات على شكل أحياء، وعلى حرية بلا حرية، على وطن يرفع صور المستقبل، فيما يطارد أبناؤه في لقمة عيشهم اليومية. وهنا يتقاطع عالمان؛ عالم الشعارات وعالم الرجل الذي يحسب آخر النهار بعدد الأكواب المباعة! إنّ البطل البائع، في قصة بائع الترمس، مثلا، لا يملك صوتا انتخابيا ولا فلسفة مكتوبة، لكنه يعرف الحقيقة بأن الوطن ليس صورة على جدار، بل كرامة تمشي في الشارع آمنة. والثورة التي لا ترى بائع الترمس عند بابها قد تفقد الطريق الى الناس، أنه لا يبيع الترمس فقط، بل يبيع مرآة صغيرة للحقيقة. وقال د.سعيد أبو علي: "ما هذا الجَمال البهيّ في هذا الوجع الماساوي! من أين جئتَ بهذا العزف الكاشف لعرينا، أيها المتوكل؟ وترمي بنا في سراديب الموت المعلّق..نعانق موتنا؟ وأين الطريق إلى قلب فلسطين، لتورق أرواحنا من جديد؟ قل لي أخي..أو لا تقل! إني في الطريق معك" وأكدت د.دعاء بياتنة على أنّ هذا النص واقعيّ سردي يجسّد تحوّلا على مستوى الشخصيّة، والمكان، والحدث، والرؤية. وغالبا ما يقوم البناء الفني في هذا النصوص القصصية، على تقنية التدوير، وهذا ما يجسد الواقع المضطرب الذي نشهده. أما د.غانية ملحيس، فقالت: "هنا يتحوّل البطل من فرد إلى شاهد، ومن مصير شخصي إلى سؤال أخلاقي كبير. لقد نجح الكاتب في التقاط واحدة من أكثر المعضلات قسوة في تجارب التحرر الوطني..وأوضح كيف يمكن للذاكرة أن تتحوّل من مصدر للشرعية إلى عبء يجري التنكّر له أو نسيانه. لهذا؛ فالقصص صرخة في وجه التخلّي والنسيان نفسه، النسيان الذي لا يخذل الأحياء فقط، بل يخذل أيضا الذين رحلوا..وهنا النصّ الموجع، الذي أعاد، بلغة الأدب لا بلغة الشعارات، طرح سؤال الوفاء للذاكرة، والوفاء للتضحيات، والوفاء للمعنى الأول الذي جعل الناس يحملون أرواحهم على أكفّهم من أجل فلسطين. وبيّن المُخرج يحيى بركات رأيه شارحاً: "شعرت أنني أقرأ مرثية لجيل كامل؛ جيل بدأ الحكاية وهو يعتقد أن الطريق مستقيم بين الحلم والتحرير، ثم اكتشف أن الطرق قد تتشعب أحياناً داخل البيت نفسه. أكثر ما شدّني في السرد لحظة التحوّل التي تسبقه..وهنا تكمن قسوة النص وجَماله في آن واحد. أما النهايات، فبدت لي من أكثر النهايات كثافة ورمزية في قصص المتوكل طه. وسينمائياً؛ رأيت المشاهد الأخيرة كاملةً، أمامي.." ونشر الأستاذ خالد سعيد نزال، رأيه في هذه القصص، التي وصفها بالمكثّفة؛ بأنها
ليست مجرد قصص قصيرة، بل هي شهادات أدبية رفيعة، تنتمي إلى ذلك النوع من الكتابة الذي لا يكتبه إلا من عاش التجربة في جوهرها، ومن امتلك أدوات الحكاء الماهر، والشاعر الفيلسوف في آنٍ معًا. إنها نصوص تليق باسم الكاتب الكبير، المتوكل طه، الذي يؤكد أن إسهاماته الفكرية والأدبية لم تكن يومًا مجرد ترف إبداعي، بل هي سجلّ نابض لذاكرة وطن، وبوصلة أخلاقية في زمن الضباب. ما يميز هذا العمل، ويجعله جديرًا بالقراءة والدراسة والتوقف الطويل، عدة أمور أولاً: تفكيك وهم "السلام" عبر مفارقة شعرية قاسية. ثانيًا: رسم تراجيديا الفدائي "الناسك" خارج السياق. فالمتوكل لا يحكي قصة فرد، بل يؤرشف آلية الإقصاء المنهجية التي طالت الشرفاء والحرس القديم النقي، أولئك الذين آمنوا بالتحرير الكامل فأحرقوا سفنهم، ليجدوا أنفسهم بلا ميناء في وطن "المجزأ والمحاصر". هذا الوفاء لسيرة "القاعدة الوطنية"، يتحول هنا إلى أدب رفيع، حيث المأساة الشخصية مرآة للمأساة الجماعية. ثالثًا: المشاهد الختامية.. قصائد بصرية وسمعية، فالذروة في النص؛ "صوت مشروخ خشن"، أو مشهد تراجيدي من الطراز اليوناني، لكنّه بروح فلسطينية خالصة. فيه اختلاط الرثاء بالاحتجاج، الانهيار بالكرامة. إنه مشهد سينمائي باهر، يرتقي إلى مصافّ الأيقونات الأدبية الكبرى. والمتوكل لا يكتب "عن البطل، بل يكتب من داخله. وهذا ما يمنح القصة مصداقيتها الجارحة وقوتها. إنه يمارس هنا أرقى وظائف الأدب: أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، أن تسرد حكاية من سحقتهم آلة الإهمال والتهميش بعد أن كانوا هم وقود الحلم، وأن تفعل ذلك بلغة مقتصدة، شاعرة، تنضح بالحكمة والألم في آنٍ. كلّ التحية والإجلال لقامة المتوكل التي لم تتوقف عن العطاء، ولهذا النص الذي يثبت أن الأديب الحقيقي، حتى حين يغيب عن المشهد الرسمي، يظل حاضرًا بوعيه، صادحًا بحقيقته، نابشًا في الجراح ليس للعبث، بل من أجل الذاكرة والكرامة.
التعليقات (0)