الإثنين 26 أكتوبر 2026 8:41 صباحًا - بتوقيت القدس
رفع طالب رأسه عن ورقة الرياضيات حين ظهرت على الشاشة صياغة جاهزة للحل. بدت المسألة قريبة ما دامت الأداة تكتب معه. بعد دقائق أغلقت الأجهزة. وضع أمامه امتحان مغلق بلا كتاب وبلا شاشة. كان السؤال قريب من تمرين الحل. فلم يجد في ذهنه إلا أثر المعونة لا أثر الفهم. ماذا يملك الطالب حين تسحب منه وسيلة الإنجاز.هذا المشهد ليس خيال صف. هو صورة قريبة من دراسة حقلية قادتها هامسا باستاني وزملاؤها عام 2025 في مدرسة ثانوية بتركيا ثم نشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم. قاربت العينة ألف طالب في الرياضيات. في وقت التمرين بمعونة جي بي تي 4 ارتفع الأداء نحو 48 بالمئة لدى من استخدموا النسخة العامة مقارنة بالمجموعة الضابطة. وارتفع نحو 127 بالمئة لدى من استخدموا نسخة تعليمية. في الامتحان بلا أداة تراجع مستخدمو النسخة العامة نحو 17 بالمئة. أما النسخة التعليمية فلم يظهر معها تفوق أو تراجع له دلالة. الفرق بين الحالتين مهم. النسخة العامة صاحبها تراجع بعد سحب الأداة. والنسخة التعليمية لم تثبت أن الفهم بقي.
الذكاء الاصطناعي هنا مشهد كاشف لا موضوع المقال كله. ما انكشف أقدم من الشاشات. الدرجة التي نمنحها قد تقيس مهارة الاستعانة بوسيلة خارجية أكثر مما تقيس ما ترسخ في عقل الطالب من فهم ومن قدرة على التحليل والتطبيق. وإذا كان الامتحان لا يفرق بين من تعلم وبين من أنجز المهمة بمعونة خارجية فإن القياس نفسه يصبح موضع سؤال. ماذا نقيس حين نمنح الدرجة.مركز الخلل ليس وجود الامتحان ولا دخول التقنية إلى الصف. مركزه اتساع المسافة بين ما تعلنه المناهج والمدارس أنها تعلمه وبين ما تقيسه الورقة في نهاية الفصل. منهج يعلن أنه ينمي حل المشكلات ثم يطلب سؤال الامتحان تعريف مصطلح كما ورد في الكتاب. هذه ليست فجوة أجهزة. هذه فجوة صلاحية. الامتحان الصالح هو الذي يقيس المهارة التي أراد المنهج أن يبنيها. فإذا قالت وثيقة المنهج إن الغاية هي التفكير ثم كافأت أسئلة الاختبار الحفظ فقد انفصل ما ندعيه عما نكافئه.الطالب يقرأ هذه الرسالة بسرعة. هو يعرف أن النجاح يمر من بوابة السؤال الأخير لا من بوابة الجملة الأولى في دليل المادة. لذلك يتشكل جهده على هيئة الاختبار لا على هيئة الهدف المعلن. المعلم يعرف ذلك. والأسرة تعرف ذلك. وتبقى الوثائق تتحدث عن الفهم بينما يتدرب الجميع على الاسترجاع.تحمل الأم ورقة العلامات في المساء. الرقم مرتفع. والطمأنينة سريعة. ثم يسأل الابن عن فكرة الدرس فيتلعثم. الرقم لم يكذب عن ساعة الاختبار. وهو لم يخبر عن اليوم التالي. بين هذين الوقتين تعيش الفجوة التي يندر أن نسميها باسمها. نحن لا نقيس التعلم في كل حين. نحن نقيس ما سمح شكل الامتحان بأن يظهر في تلك الساعة.بعض المدارس تحول الورق إلى شاشات من غير أن تتغير طريقة التدريس أو شكل السؤال. رقمنة المدرسة شيء. وإعادة بنائها شيء آخر. تحويل امتحان عالي المخاطر من ورقة إلى منصة رقمية يغير وسيلة التسليم. ولا يغير بالضرورة نوع المهارة المطلوبة من الطالب. الأداة تتبدل. والسؤال يبقى.لا يعني ذلك أن كل أداء بمساعدة أداة هو وهم. يعني أن النجاح في إنجاز مهمة بوجود المعين لا يساوي حدوث تعلم. دراسة باستاني بينت ذلك في حدودها الواضحة. مدرسة واحدة. ومادة واحدة هي الرياضيات. ولا يصح أن ترفع نتيجتها إلى حكم على كل استخدام للتقنية في كل صف. ما يصح قوله أضيق وأدق. الأداء مع الأداة ارتفع. والتعلم الذي صمد بعد سحبها لم يرتفع مع النسخة العامة. بل تراجع. والنسخة المصممة لغرض تعليمي لم تثبت في ذلك الامتحان أن الفهم بقي بعد ذهاب المعين.الامتحان الذي سحبت فيه الأداة هو الذي كشف الفجوة بين الإنجاز والتعلم. لذلك لا يستقيم أن تكون الدعوة هي إلغاء الاختبار المراقب. ذلك الاختبار هو الذي فضح الاعتماد على المعين. الدعوة الأدق هي ألا يتحول مصدر واحد إلى الحكم الوحيد على الطالب. وأن يوضع السؤال التربوي قبل السؤال التقني. هل يقيس هذا الامتحان ما ادعت المادة أنها بنته.ليست أنواع التقييم مكشوفة للمعونة الخارجية بالدرجة نفسها. الاختبار الورقي المراقب والنقاش الشفوي يحدثان أمام المعلم في الزمن نفسه فيضيق مجال الاستعانة الصامتة. التكليف المنزلي والمشروع يظلان أكثر قابلية للاستعانة ما لم يعد تصميم المهمة نفسها. الأنواع الأقل عرضة للأداة تكون في كثير من الأحيان الأعلى كلفة على وقت المعلم. وهذا يفسر عودة بعض المعلمين إلى الورقة رغم عيوبها. الورقة لا تحل أزمة الصلاحية. هي تكشفها حين تكون الأداة غائبة. وتخفيها حين يكون السؤال نفسه استرجاع ضيق.التقويم أثناء التعلم يستخدم ما يظهر من أداء الطالب لتصحيح المسار قبل فوات الوقت. وتقويم نهاية المرحلة يوثق الحصيلة بعد أن يغلق الباب. المدارس التي تكتفي بالنوع الثاني تعرف الرقم النهائي وتفوت لحظة التعديل. هذا تذكير بحد القياس لا قائمة تعليمات. الرقم الختامي قد يكون صادق في وصف ما حدث في ساعة الاختبار. وهو لا يصف وحده ما بقي في العقل بعد أسابيع.يبقى أسهل شيء أن نلقي اللوم على الأداة الجديدة. والأداة لا تخلق الفجوة من العدم. هي تكبرها وتفضحها. الفجوة كانت قائمة حين كان الطالب ينقل من ملخص زميله أو يحفظ نموذج إجابة السنة الماضية. الجديد أن المعين صار أسرع وأوسع حضورا. لذلك يتجدد السؤال القديم بلباس جديد. ليس كيف نمنع الوسيلة. بل كيف نمتحن ما نزعم أننا نعلمه.إذا قالت المدرسة إنها تعلم التحليل ثم قبلت فقرة منسقة لا يملك صاحبها الدفاع عنها بصوته فقد كافأت الشكل. وإذا قالت إنها تعلم حل المسألة ثم منحت الدرجة لمن استخرج الجواب من شاشة فقد كافأت الوصول لا الفهم. الصدق مع الأهل يبدأ من هنا. الدرجة ليست مرادف للتعلم. وهي أمانة حين تطابق الدعوى. وهي التباس حين تنفصل عنها.لا تطلب هذه المسافة ورقة تعلق على جدار غرفة المعلمين. تطلب أن نعترف قبل أي شيء. ما يقاس هو ما يعيش في الصف. وما لا يقاس يتقلص حتى لو بقي اسمه في مقدمة المنهج. السؤال الذي يملكه كل قارئ أمام مدرسة أبنائه سؤال واحد. ماذا يقيس هذا الامتحان في حقيقته. الإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية تضييق المسافة بين ما نقيسه وما ندعي أننا نعلمه.
جريس ثلجية كاتب وباحث في الشأن السياسي
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)