الإثنين 26 أكتوبر 2026 8:41 صباحًا - بتوقيت القدس
قد يستيقظ الإسرائيليون بعد السابع والعشرين من تشرين الأول على نتيجة تبدو للوهلة الأولى واضحة: نتنياهو خسر أغلبيته، وخصومه تقدموا عليه، والقوائم العربية أصبحت قادرة على ترجيح الكفة. لكن ماذا لو انتهت هذه المعادلة ببقاء نتنياهو رئيسًا للحكومة؟ لا أطرح هذا الاحتمال للمبالغة، بل لأنني أعتقد أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تنتج أغلبية قادرة على إسقاط الرجل، دون أن تنتج أغلبية قادرة على الاتفاق على من يخلفه.وهنا، في تقديري، تكمن العقدة الحقيقية للمشهد الإسرائيلي. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة اليمين على الوصول إلى 61 مقعدًا، وهي قدرة تبدو محدودة وفق الاستطلاعات الأخيرة، وإنما في طبيعة التحالفات التي ستنشأ بعد الانتخابات، ومدى استعداد الأحزاب للتنازل عن طموحاتها الفردية من أجل تشكيل حكومة. والأمر لا يختلف كثيرًا لدى المعسكر المناهض لنتنياهو؛ إذ إن تقدمه العددي لا يعني بالضرورة قدرته على الحكم.
ولعل أول ما ينبغي التوقف عنده هو ذلك الاستخدام المريح لمصطلحي اليمين واليسار. فمن غير الدقيق وصف المعسكر الذي يضم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان بأنه معسكر يساري بالمعنى الأيديولوجي. نحن أمام خليط من اليمين والوسط واليسار الصهيوني، يجمعه رفض استمرار نتنياهو أكثر مما يجمعه الاتفاق على شكل الحكومة المقبلة. ولا أعتقد أن آيزنكوت وبينيت وليبرمان ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم شركاء ينتظرون توزيع الحقائب الوزارية، بل إن لكل منهم مشروعًا سياسيًا وطموحًا في قيادة المرحلة المقبلة، وإن اختلفت فرصهم في الوصول إلى رئاسة الحكومة.هذه التناقضات تمنح نتنياهو مساحة للمناورة، حتى لو تراجع عدد مقاعد معسكره. فهو يدرك أن منافسيه قد يتفقون على إخراجه من الحكم، لكنهم سيختلفون عندما يصبح السؤال: من سيحكم بدلًا منه؟ وحين يصل النقاش إلى هذه المرحلة، لن تكون الحسابات متعلقة بالمقاعد وحدها، بل بالحقائب السيادية، والعلاقة مع الحريديم، ومستقبل المؤسسة القضائية، والملف الأمني، فضلًا عن المواقف من القضية الفلسطينية.ومن هنا أصل إلى ما أراه جوهر الانتخابات المقبلة: ليس المطلوب من نتنياهو أن يهزم جميع خصومه، بل يكفيه أن يمنعهم من الاتفاق فيما بينهم.وفي ظل هذه المعادلة، تصبح القوائم العربية أكثر أهمية من حجمها العددي. فالقائمة المشتركة، بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي، والتي تضم الجبهة والعربية للتغيير والتجمع، قد تجد نفسها أمام فرصة سياسية لا تتكرر كثيرًا؛ فرصة الانتقال من موقع المعارضة التي يُراد عزلها عن القرار إلى موقع القوة التي لا يمكن تجاوزها عند توزيع موازين الحكم.وأعتقد أن اليمين الإسرائيلي يدرك هذه الحقيقة، ولذلك لن تكون معركته مع القائمة المشتركة معركة مقاعد فحسب، بل معركة على شرعية دورها السياسي. وقد يعود الشعار الذي يختزل المنافسة بعبارة «إما الطيبي أو بيبي»، في محاولة لدفع الجمهور اليهودي إلى الاعتقاد بأن أي حكومة تعتمد على أصوات النواب العرب هي حكومة تفتقر إلى الشرعية السياسية.لكن السؤال الذي أطرحه هنا هو: كيف يمكن لنظام سياسي أن يمنح المواطنين العرب حق التصويت والتمثيل البرلماني، ثم يشكك في شرعية تأثير ممثليهم عندما يصبح هذا التأثير حاسمًا في تشكيل السلطة؟ولا أرى أن القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس ستتحرك بالضرورة ضمن الحسابات نفسها. فعباس يمتلك تجربة مختلفة في التعامل مع الائتلافات الحكومية، ويترك لنفسه مساحة أوسع للمفاوضة السياسية. ولذلك لا أضع أصواته مسبقًا في حساب أي من المعسكرين، ولا أتعامل معها باعتبارها مضمونة لمن يريد إسقاط نتنياهو.غير أن المفارقة الأكثر إثارة قد تكون في عدم الحاجة إلى أصوات منصور عباس أصلًا. فمن الممكن أن تمنح النتائج المعسكر المناهض لنتنياهو، بالاستناد إلى أصوات القائمة المشتركة وحدها، أغلبية تصل إلى 61 مقعدًا أو تتجاوزها. هذا احتمال يتوقف على التوزيع النهائي للمقاعد، لكنه يضعنا أمام سؤال أراه أكثر أهمية من الوصول إلى الرقم نفسه: وماذا بعد 61؟هل يستطيع آيزنكوت وبينيت وليبرمان قبول أغلبية برلمانية تستند إلى أحمد الطيبي ويوسف جبارين؟ وهل يقبلون بها لإسقاط نتنياهو ثم يرفضونها عندما يحين وقت تشكيل الحكومة؟ أم أن الخلافات فيما بينهم ستجعل هذه الأغلبية مجرد رقم سياسي لا يترجم إلى سلطة؟في تقديري، قد تنجح هذه الأغلبية أولًا في معركة رئاسة الكنيست. ولا أستبعد أن تصوت القائمة المشتركة إلى جانب المعسكر المناهض لنتنياهو لانتخاب رئيس جديد للكنيست بدلًا من استمرار سيطرة الليكود على المنصب. فهذه خطوة يمكن أن تتقاطع حولها مصالح قوى سياسية لا يجمعها مشروع حكومي واحد، وهي لا تفرض على القائمة المشتركة الانضمام إلى ائتلاف صهيوني أو تحمل مسؤولية سياساته.لكن انتخاب رئيس جديد للكنيست لا يعني انتخاب رئيس حكومة جديد. بل قد يكون أول دليل عملي على التناقض الذي أحاول الإشارة إليه: أغلبية تستطيع الاتفاق على إزاحة الليكود عن رئاسة البرلمان، لكنها تعجز عن الاتفاق على من يتولى رئاسة الحكومة.وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة التي أرى أن الفلسطينيين مطالبون بقراءتها بجدية أكبر. فإذا فشل نتنياهو في تشكيل ائتلاف، وفشل خصومه أيضًا، فإن الحكومة القائمة ستواصل أداء مهامها حتى تشكيل حكومة جديدة. وبذلك قد يخسر نتنياهو المعركة الانتخابية دون أن يفقد موقعه التنفيذي، وربما يجد نفسه أمام جولة جديدة من الانتخابات وهو لا يزال رئيسًا للحكومة.وأخشى أن يكون نتنياهو في هذه الحالة أكثر اندفاعًا سياسيًا مما يتصوره البعض. فالرجل الذي يواجه احتمال نهاية مسيرته السياسية قد يصبح أكثر استعدادًا للمخاطرة، وقد يرى في استمرار التوتر والتصعيد فرصة لإعادة تجميع معسكره، خصوصًا أن جزءًا معتبرًا من خصومه لا يختلف معه جذريًا في التصورات الأمنية أو في الموقف من السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.ولا يعني ذلك أن الحكومة الانتقالية تعمل دون قيود قانونية أو مؤسسية، لكنني لا أستبعد أن تصبح الضفة الغربية إحدى ساحات إدارة الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل. فالتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، والضغط المالي على السلطة الفلسطينية، ليست قضايا معزولة عن حسابات الحكم. وقد يجد نتنياهو في التشدد تجاه الفلسطينيين وسيلة لإحراج خصومه، ودفعهم إلى تبني مواقف أقرب إلى اليمين حتى لا يظهروا أمام جمهورهم بمظهر الضعفاء.ولهذا لا أشارك أولئك الذين يتعاملون مع احتمال وصول آيزنكوت أو بينيت باعتباره تحولًا جوهريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. فقد يتغير رئيس الحكومة، وتختلف لغة الخطاب وآليات اتخاذ القرار، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغير المشروع السياسي الذي يحكم العلاقة مع الفلسطينيين. ومن الخطأ اختزال مستقبلنا في هوية الشخص الذي سيجلس على كرسي رئاسة الوزراء الإسرائيلية.ومع ذلك، هناك عامل آخر لا أعتقد أن الاستطلاعات تستطيع حسم أثره بالكامل: الناخب الذي فقد ثقته بالمشهد السياسي. أتحدث هنا عن قطاعات داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما بين الشباب والمتعلمين وأصحاب المهن، الذين أصبح بعضهم يفكر في الهجرة أو يشعر بانسداد الأفق السياسي والاقتصادي. هؤلاء لا يشكلون بالضرورة كتلة معارضة موحدة، لكن مشاركتهم أو امتناعهم قد تؤثر في نتائج قوائم تتنافس على مقاعد محدودة.والأمر ينسحب بصورة مختلفة على المجتمع العربي، حيث يمكن لليأس من جدوى العمل البرلماني أن يتحول إلى عزوف انتخابي، كما يمكن للغضب من السياسات الإسرائيلية أن يتحول إلى مشاركة أوسع. ولذلك أعتقد أن الناخبين المترددين، في المجتمعين اليهودي والعربي، قد يكونون أكثر تأثيرًا هذه المرة مما توحي به الحسابات التقليدية للأحزاب.وبعيدًا عن كل ما سبق، أتجرأ على وضع تقديري السياسي الخاص لنتائج الانتخابات، وأنا أدرك أنه قد يخالف عددًا من الاستطلاعات المنشورة. أرجح حصول معسكر اليمين بقيادة نتنياهو على ما بين 50 و53 مقعدًا، مقابل 50 إلى 54 مقعدًا للمعسكر المختلط المناهض له، فيما أضع مجموع القوائم العربية، المشتركة والموحدة، بين 9 و13 مقعدًا. وهذه نطاقات تقديرية مستقلة وليست توزيعًا نهائيًا مغلقًا للمقاعد المئة والعشرين؛ وقد يتجاوز أحد الأطراف هذه الحدود تبعًا لنسبة المشاركة والأصوات المهدورة. وأقر بأن تقديري للمقاعد العربية أكثر تحفظًا من الاستطلاعات الأخيرة، لأنه يأخذ في الحسبان احتمال تراجع المشاركة.ولا أقدم هذه الأرقام باعتبارها نتيجة محسومة، وإنما بوصفها قراءة سياسية لاتجاه التوازنات. فمن الممكن أن تحقق المعارضة تقدمًا أكبر مما أتوقع، لكنني لا أعتقد أن هذا التقدم سيمنحها تلقائيًا القدرة على تشكيل حكومة. كذلك لا أستبعد أن يتراجع نتنياهو انتخابيًا ثم يخرج من المفاوضات أكثر قدرة على فرض شروطه من بعض خصومه الذين حصلوا على مقاعد أكثر.إنني أميل، في المحصلة، إلى توقع كنيست منقسمة، تتشكل داخلها أغلبيات متغيرة بحسب طبيعة التصويت، دون أن تتوافر بالضرورة أغلبية حكومية مستقرة. وقد تكون القوائم العربية قادرة على ترجيح انتخاب رئيس الكنيست، وربما بلوغ الأغلبية المطلوبة لتكليف مسار سياسي بديل، لكنها لن تكون وحدها قادرة على حل التناقضات داخل المعسكر الذي يريد خلافة نتنياهو.ولذلك أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يشغلنا بعد إعلان النتائج ليس من فاز بأكبر عدد من المقاعد، بل من أصبح قادرًا على تحويل هذه المقاعد إلى سلطة فعلية. فقد يتصدر آيزنكوت النتائج ولا يصبح رئيسًا للحكومة، وقد يخسر نتنياهو أغلبيته ويستمر في الحكم، وقد تصبح أصوات الطيبي وجبارين ضرورية لإزاحته دون أن يكون شركاؤهما المحتملون مستعدين للاعتراف بشرعية هذا الدور حتى النهاية.والأخطر من كل ذلك أن يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام أزمة حكم إسرائيلية طويلة، تُدار خلالها سياسات الاحتلال والاستيطان والتصعيد الأمني بمنطق الصراع على البقاء السياسي.لهذا، فإنني لا أرى في الانتخابات المقبلة وعدًا واضحًا بتغيير الحكم، بقدر ما أرى فيها اختبارًا لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج حكومة بعد سنوات من الاستقطاب.وقد تكون مفارقة الانتخابات أن يجد الإسرائيليون أغلبية لإسقاط نتنياهو، دون أن يجدوا أغلبية للاتفاق على من يخلفه. وعندها لن يكون السؤال من فاز بالانتخابات، بل كيف يستطيع من خسر أغلبيته أن يبقى في الحكم.
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)