خلف الجامع الأزهر في القاهرة، تحتفظ مكتبة عبد الظاهر بعالم لم تختفِ منه حروف الرصاص، ولا رائحة الورق المعتّق والجلود الطبيعية. هنا، لا تبدأ الطباعة بضغطة زر، بل باختيار الحروف من أدراجها، وجمعها يدويا، ثم طبعها على الورق؛ حرفة تتوارثها العائلة منذ أربعة أجيال.
وفي زمن النسخ واللصق، تمنح المكتبة زوارها فرصة للتعرف على جانب من تاريخ صناعة الكتب، حين كانت الصفحة تُبنى حرفا حرفا، ويحتاج إخراجها إلى مهارة اليد وصبر الصانع.
غير أن الحفاظ على هذه الحرفة لم يكن كافيا وحده لاستمرار المكتبة؛ فمع تراجع سوق الكتب القديمة، بحث أصحابها عن استخدامات جديدة لأدواتهم الموروثة، ووجدوا في صناعة الدفاتر وتجليدها يدويا سبيلا لتجديد الصلة بين مهنتهم وجمهور مختلف.
مرت الطباعة بتحولات طويلة قبل أن تبلغ صورتها الحديثة. ففي الصين، طُبع كتاب "درة البوذية" عام 868 ميلادية باستخدام الألواح الخشبية، التي كانت تُحفر عليها نصوص الصفحات، ثم تُغطى بالحبر وتُضغط على الورق.
وبعد قرون، شكل تطوير الألماني يوهانس غوتنبرغ للطباعة بالحروف المعدنية المتحركة محطة فارقة في انتشار الكتب والمعرفة. تقوم الفكرة على جمع حروف منفصلة لتكوين الكلمات والصفحات، ثم تحبيرها والطباعة بها، قبل تفكيكها وإعادتها إلى أدراجها لاستخدامها مجددا.
وفي مصر، ارتبط تاريخ الطباعة الحديثة بمراحل عدة، من مطبعة الحملة الفرنسية إلى تأسيس المطابع الأميرية في عهد محمد علي باشا. وفي عام 1936، بدأت مكتبة عبد الظاهر رحلتها خلف الجامع الأزهر، متخصصة في طباعة الكتب وتجليدها.
التعليقات (0)