الدوحة- لم تنجُ التجارة العالمية من أعتى موجات الاضطراب التي ضربتها في السنوات الأخيرة بفضل صلابة النظام الدولي أو متانة هياكله، بل نتيجة البراعة البشرية والمرونة العالية التي أظهرها الفاعلون الاقتصاديون في ابتكار بدائل مكلفة للالتفاف حول الأزمات بدل معالجتها من جذورها.
فبينما تسجل حركة التبادل التجاري أرقاما قياسية تلامس 35 تريليون دولار، يخفي هذا المشهد هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ تدور التجارة اليوم في بيئة عالية المخاطر تحوّلت فيها سلاسل الإمداد من شبكات عابرة للحدود تهدف إلى تعظيم الكفاءة والإنتاجية إلى ساحات مكشوفة للتنافس الجيوسياسي، وتحوّلت معها الممرات المائية الحيوية -لا سيما في المنطقة العربية- إلى نقاط اختناق رهينة للتصعيد الأمني وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
جاء ذلك في جلسة بعنوان "إعادة بناء سلاسل القيمة العالمية من أجل النمو والمرونة "، ضمن فعاليات منتدى الاستثمار العالمي الذي تستضيفه الدوحة بالشراكة مع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) في نسخته التاسعة، خلال الفترة من 25 إلى 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بمشاركة أكثر من 5 آلاف مشارك و406 متحدثين دوليين موزعين على 108 جلسات متخصصة.
وقد فرض هذا التشخيص سؤالا أساسيا على طاولة النقاش: كيف يمكن الانتقال بسلاسل الإمداد من طور "المرونة " التي تكتفي بامتصاص الصدمات والبحث عن المسارات الالتفافية، إلى طور "المتانة " القادرة على منع تكرار الأزمات وبناء حصانة هيكلية تدوم طويلا؟
في مواجهة هذا المشهد، برزت التجربة القطرية بوصفها نموذجا عمليا لتحويل الموقع الجغرافي إلى رافعة إستراتيجية للاستقرار؛ إذ انطلقت المقاربة التي طرحها وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية في قطر الدكتور أحمد بن محمد السيد من مبدأ مفاده أن "الواقع العالمي الجديد يفرض موثوقية من نوع جديد "، قوامها القدرة على ضمان استمرار تدفق السلع والخدمات مهما بلغت حدة الاضطرابات المحيطة.
واستند الوزير القطري في طرح رؤيته لإدارة سلاسل الإمداد إلى 4 مسارات متكاملة:
التعليقات (0)