يأتي الأول من أيار هذا العام، والطبقة العاملة الفلسطينية تقف على حافة الإنهاك الوطني والاجتماعي معاً، فهو ليس مناسبة احتفالية عابرة، ولا يوماً للخطابات البروتوكولية، بل محطة مراجعة حقيقية، وجرد حساب مفتوح أمام واقع شديد القسوة: احتلال يطارد لقمة العيش، وانتهاكات يومية تمسّ حق العمل والحياة والكرامة، وسياسات اقتصادية عاجزة، ونقابات غاب كثير منها عن ساحات المواجهة، أو اكتفت بدور الشاهد الصامت، فيما العمال يواجهون مصيرهم وحدهم.
العامل الفلسطيني اليوم لا يواجه فقط شروط السوق القاسية، بل يواجه منظومة استعمارية كاملة تستهدف وجوده الاقتصادي والاجتماعي، فآلاف العمال حرموا من الوصول إلى أماكن عملهم، وآلاف آخرون فقدوا أعمالهم بفعل الإغلاقات والحصار والحواجز، فيما يتعرض العاملون داخل أراضي عام 1948 لأشكال متعددة من الاستغلال، من السمسرة ونهب الأجور، إلى انعدام شروط السلامة المهنية، والتمييز، والطرد التعسفي، والابتزاز المرتبط بتصاريح العمل، ولقد تحوّل العمل، بالنسبة لكثيرين، إلى رحلة إذلال يومية تبدأ عند الحاجز، ولا تنتهي عند باب المصنع أو الورشة.
وفي قطاع غزة، تتجسد المأساة بصورة أشدّ فظاعة: بطالة واسعة، واقتصاد مدمّر، ومنشآت مهدّمة، وعمال بلا أجور، وأسر كاملة فقدت مصدر رزقها، أما في الضفة الغربية، فقد عمّقت الاعتداءات المتواصلة، والأزمات المالية، وتراجع النشاط الاقتصادي، من هشاشة سوق العمل، فارتفعت معدلات الفقر، وتآكلت الأجور، واتسعت دائرة العمل غير المنظم، الذي يفتقد إلى أي حماية قانونية أو اجتماعية.
لكن الاحتلال، على فداحة جرائمه، ليس وحده المسؤول عن هذا المشهد، فهناك أيضاً غياب واضح للعدالة الاجتماعية داخلياً، وتأخر مزمن في بناء منظومة حماية اجتماعية حقيقية تحفظ كرامة العامل حين يمرض، أو يتعطل، أو يشيخ، أو يصاب أثناء عمله، وما زال آلاف العمال خارج مظلة التأمين الصحي اللائق، وخارج أنظمة التقاعد الفاعلة، وخارج رقابة قانون العمل، كما ما زال الحد الأدنى للأجور محل جدل أكثر منه سياسة ملزمة، فيما تبقى الرقابة على تطبيقه ضعيفة، والعقوبات بحق منتهكيه محدودة أو غائبة.
أما البرامج الحكومية، فقد أخفقت في الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحلول، فلم تطرح حتى الآن خطة وطنية شاملة للتشغيل، ولا استراتيجية إنتاجية تقلل التبعية الاقتصادية، ولا رؤية جادة لحماية العمال المتعطلين عن العمل، ولا سياسات ضريبية أكثر عدالة تنحاز للفئات المنتجة والفقيرة، وكأن العامل مطلوب منه أن يصبر دائماً، وأن يدفع دائماً، وأن ينتظر دائماً.
وفي قلب هذا كله، يبرز السؤال الأصعب: أين الحركة النقابية الفلسطينية؟
💬 التعليقات (0)