لا يقتصر الصراع الدائر في إسرائيل على الخلاف بين الحكومة ومعارضيها، ولا على مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع اللذين يريد اليمين الإسرائيلي بناءهما. فالمعركة الجارية تمس شكل المؤسسات، وحدود السلطة، والوعي الجمعي، والخيارات السياسية التي ستظل متاحة أمام الأجيال المقبلة. ومن هنا، فإن فهم ما يجري يتطلب النظر إليه بوصفه صراعا على مستقبل إسرائيل نفسها، وعلى موقع الفلسطينيين في هذا المستقبل.
لم تكن قوة إسرائيل، منذ قيامها، قائمة على القوة العسكرية وحدها، بل استندت أيضا إلى بناء مؤسسات سياسية وإدارية وقضائية وفرت للدولة قدرا من الاستقرار والاستمرارية، ومكنتها من تجاوز تغير الحكومات والقيادات. فالأحزاب والانتخابات والإدارة العامة والقضاء لم تكن مجرد هياكل لتنظيم الحياة السياسية، بل شكلت جزءا من قدرة الدولة على إدارة أزماتها، وتعبئة مواردها، والحفاظ على تماسكها في مواجهة التحديات.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل تمثل نموذجا ديمقراطيا متكاملا؛ فسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، واستمرار الاحتلال والاستيطان، تتناقض مع مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. لكن التمييز ضروري بين هذه السياسات وبين طبيعة المؤسسات التي تنظم السلطة داخل المجتمع الإسرائيلي. فالمؤسسات لا تضمن استمرارية الدولة فحسب، بل تضع أيضا حدودا أمام السلطة التنفيذية، وتتيح للقضاء والرقابة والقوى السياسية المختلفة التأثير في قراراتها.
من هنا، تكتسب المواجهة حول القضاء والمؤسسات أهمية تتجاوز الخلافات القانونية والحزبية. فقد كشفت خطة التعديلات القضائية التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو عام 2023 عن صراع حول توزيع السلطة، واستقلال القضاء، وحدود قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات دون رقابة فعالة. ولم يكن الخلاف مقتصرا على صلاحيات مؤسسة بعينها، بل تعلق بالتوازن الذي يحكم العلاقة بين الحكومة ومؤسسات الدولة والمجتمع.
إن إضعاف المؤسسات الرقابية لا يغير شكل النظام السياسي فحسب، بل قد يؤثر في قدرة المجتمع على حماية حقوقه، وفي فرص القوى المعارضة للسياسات الحكومية في التأثير في القرار. وحين تتركز السلطة وتتراجع الضوابط التي تحدها، يصبح من الأسهل تمرير السياسات المتشددة، وتصبح مراجعتها أكثر صعوبة. ولذلك فإن هذه التحولات لا تمس الفلسطينيين وحدهم، بل تطال أيضا الإسرائيليين الذين يرون في استقلال القضاء والرقابة وتعدد القوى السياسية ضمانات ضرورية لمنع احتكار السلطة.
لكن أثر هذا الصراع يمتد إلى ما هو أبعد من العلاقة بين الحكومة ومؤسساتها. فهو يتصل أيضا بإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وبالطريقة التي ينظر بها المجتمع الإسرائيلي إلى الدولة ومستقبله وعلاقته بالفلسطينيين. فالمؤسسات لا تعمل في فراغ؛ إذ تتأثر بطبيعة الثقافة السياسية السائدة، كما تسهم في تشكيلها. وحين تتغير القواعد المؤسسية بالتوازي مع تغير الأفكار والقيم التي تحكم المجال العام، يصبح التحول أعمق من مجرد تعديل قانون أو تغيير حكومة.
التعليقات (0)