عادت قوى التكفير والتخوين والتخريب الاسلاموية تطل برأسها مجددا، لتنفث سمومها، وتعبث بالنسيج الوطني والاجتماعي لتفكيك الروابط الوطنية والقومية، وتلقي بأحمالها ومكارهها وفتنها الدينية والطائفية والمذهبية، في لحظة سياسية أحوج ما تكون المجتمعات العربية الى التماسك، وتعزيز الوحدة الوطنية والقومية بين أبناء الشعب الواحد وشعوب الامة العربية، ودرأ الاخطار المحدقة بالوطن العربي وشعوبه، وحماية دوله الوطنية، وصيانة السلم الأهلي في مجتمعاته القطرية والقومية، والتصدي للمؤامرة الامبريالية الصهيونية وادواتها التخريبية والمأجورة والعميلة، التي عاثت فسادا بالعديد من الدول العربية مع صعود الاخوان المسلمين زمن ما يسمى "الربيع العربي"، نهاية 2010 ومطلع 2011. ورغم فشلها وتراجع مكانتها، بعد تمكن العديد من الأنظمة العربية، وخاصة في مصر الشقيقة بعد ثورة 30 من حزيران / يونيو 2013، والأردن والمغرب وتونس، وقبلهم الجزائر من وأد مؤامرة الاخوان المسلمين واسيادهم في الغرب الامبريالي وإسرائيل اللقيطة والطارئة في في فلسطين خصوصا والوطن العربي عموما.
لكن القوى المعادية وخاصة الحكومة الإسرائيلية لم تستسلم، ولم تتراجع عن خيارها وهدفها المتمثل بتفكيك بنية المجتمعات العربية عموما، وتمزيقها وتشظيها وتفتيتها الى هويات قزمية: دينية وطائفية ومذهبية واثنية، لتعميق السيطرة الامبريالية واداتها الإسرائيلية على الشرق الأوسط العربي والإقليمي. وما تشهده الساحة العربية والإقليمية من حروب بينية ودولية، يعكس هذا التوجه الأخطر على مصير الأنظمة والشعوب العربية.
وما حدث من جريمة وحشية أول أمس الجمعة 23 تشرين أول / أكتوبر 2026، في بلدة حمود – محافظة الكرك الأردنية، باستهداف تشييع جنازة سيدة اردنية من اتباع الديانة المسيحية في كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس، التي تعرف أيضا باسم القديس جورج، الذي يحظى بمكانة بارزة في التقليد المسيحي الشرقي، كما تعرف أيضا باسم كنيسة قرية حمود، التي نفذها ثلاثة من القتلة المجرمين، في استهداف للنسيج الوطني الأردني. لا سيما وأن محافظة الكرك تمثل نموذجا للترابط الاخوي بين أبناء الشعب العربي الأردني، كما تعتبر الكرك واحدة من المحافظات الوطنية والقومية البارزة في المملكة الأردنية، ولها سجل حافل بالدفاع عن الوطنية الأردنية والقومية العربية. وبالتالي لم يكن استهدافها وليد الصدفة، أو حدثا عابرا، أنما جزءً من مخطط اجرامي يستهدف تاريخها ومكانتها العروبية العريقة.
وكما يقول د. موفق محادين "فمن هذه البلدة خرج عشرات من المقاومين الذين انضموا للمقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني المجرم، مثل تيريز هلسا التي اصابت نتنياهو نفسه في عملية مطار اللد 1972، ومثل مشعل الخيطان الهلسا (شرحبيل – اسمه الحركي - القائد في الجبهة الشعبية) الذي أمضى سنوات في معتقل الخيام الصهيوني في جنوب لبنان، (بعد اجتياح لبنان وعاصمته العربية بيروت في مطلع حزيران / يونيو 1982). ومن هذه البلدة خرج الروائي والناقد والمفكر غالب هلسا، أحد أبرز المثقفين العرب، الذين قاتلوا على متاريس بيروت خلال حصارها من قبل العدو الصهيوني." وأضاف "ويشار كذلك الى العلامة العروبي، يعقوب العودات الهلسا، والى العديد من رجال الرعيل الأول في الأردن الذين ناهضوا مشروع التتريك العثماني بقيادة حزب الاتحاد والترقي، كما تشهد سجلات شهداء الجيش الأردني على العديد من أبناء هذه البلدة في حروب 1948 و1967."
وهذا غيث من فيض من ابطال ومثقفي ورواد اليسار والقومية العربية، الذين ساهموا اسهامات ريادية في الدفاع عن أمة العرب، وليس عن الأردن فقط. لذا جاء استهداف قوى معسكر الأعداء وفي مقدمتهم الامبريالية الأميركية والبريطانية واداتهم الوظيفية الإسرائيلية الصهيونية محافظة الكرك بمسلميها ومسيحيها من كل الطوائف الأرثوذكس واللاتين وغيرهم، لضرب أحد أعمدة الوطنية الأردنية والقومية العربية في المملكة، لدس الفتنة الدينية والطائفية في عموم الدولة الأردنية. بيد أن جريمتهم التي نفذتها عصابة مارقة أصولية تكفيرية، لن تنجح، وستفشل، كما فشلت محاولات قبلها، لأن وعي أبناء المحافظة عموما وقرية حمود خاصة كفيل بقطع الطريق على أي مخطط اجرامي صهيوني، ولن تفت الجريمة الوحشية في عضد أبنائها، ولا في عضد ووحدة الشعب الأردني الشقيق، ومن المؤكد أن القيادة الأردنية وفي مقدمتها الملك عبدالله الثاني، والأحزاب والقوى الوطنية والقومية واليسارية بمختلف مشاربهم، لن يسمحوا لتنظيم الاخوان المسلمين وتفرعاته الاجرامية ولا لغيرهم من المجرمين في تهديد السلم الأهلي الأردني، وسيحمون الوحدة الوطنية بارواحهم. ورحم الله الشهداء جميعا، وارجو الشفاء العاجل للجرحى.
التعليقات (0)