f 𝕏 W
تفكيك السلطة دون إعلان وفاتها: هل تعيد إسرائيل هندسة الحكم الفلسطيني في الضفة؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 2 8 د قراءة
زيارة المصدر ←

تفكيك السلطة دون إعلان وفاتها: هل تعيد إسرائيل هندسة الحكم الفلسطيني في الضفة؟

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة تحليلاً لسياسات إسرائيل المحتملة تجاه السلطة الفلسطينية، مشيرة إلى أن الخطر الأكبر قد لا يكمن في حل السلطة المعلن، بل في إضعاف دورها السياسي مع إبقائها قائمة إدارياً. وتشير إلى أن هذا النهج يهدف إلى تفكيك السلطة وظيفياً، مما يجعلها مسؤولة عن خدمات دون امتلاك القدرة على التحكم بشروطها، وذلك من خلال القيود المالية والجغرافية والأمنية.
أبرز النقاط

الأحد 25 أكتوبر 2026 8:34 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تبقى المؤسسات ويتراجع معناها السياسيلا تكمن أخطر التحولات السياسية دائما في القرارات المعلنة أو الانهيارات المفاجئة بل قد تحدث حين تستمر المؤسسات في العمل بينما تتآكل قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.لذلك لا يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كانت إسرائيل ستعلن حل السلطة الفلسطينية، بل في ما إذا كانت تعمل على إبقائها قائمة إدارياً مع إضعاف دورها السياسي وقدرتها على التحكم بالمجال الذي تديره.

فالسلطة مسؤولة عن السكان والخدمات لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الأرض والحدود والموارد والحركة. وهنا تتحول من مشروع يفترض أن يقود إلى الدولة إلى بنية إدارية تعمل داخل واقع الاحتلال.أعادت تصريحات بنيامين نتنياهو بشأن «مفاجأة كبيرة» للسلطة الفلسطينية إلى جانب دعوات في اليمين الإسرائيلي لتفكيكها ونزع سلاح أجهزتها طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام تصعيد أمني مؤقت أم أمام محاولة لإعادة تشكيل الحكم الفلسطيني في الضفة الغربية؟لا تكفي التصريحات وحدها لإثبات وجود قرار نهائي، لكنها تكشف اتجاهاً سياسياً يستحق المتابعة.أوسلو: سلطة انتقالية بلا نهاية سياسيةنشأت السلطة الفلسطينية في إطار اتفاقيات أوسلو باعتبارها مرحلة انتقالية تمهّد لمعالجة قضايا القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين وصولا إلى إقامة دولة فلسطينية.لكن المرحلة الانتقالية تحولت إلى واقع دائم. فقد امتلكت السلطة الوزارات والأجهزة والمؤسسات من دون أن تمتلك السيادة على الحدود والمعابر والموارد والمجال الجغرافي.وبذلك نشأ اختلال بين المسؤولية والقدرة: فالسلطة تدير قطاعات واسعة من الحياة اليومية لكنها لا تتحكم بكل الشروط اللازمة لإدارتها.ومن هنا لا يحتاج إضعاف السلطة إلى إلغاء مؤسساتها بل يكفي توسيع الفجوة بين ما تُطلب منها إدارته وما تملكه من أدوات.إعادة هندسة شروط الحكملا تقتصر السيطرة الإسرائيلية على التأثير في قرارات القيادة الفلسطينية بل تشمل البيئة التي تعمل فيها السلطة: الأرض والتخطيط والطرق والحواجز والتصاريح والموارد والضرائب والتجارة وحركة السكان.فلا معنى لسلطة إدارية على مدينة إذا كانت قدرتها على الوصول إليها وربطها بمحيطها وتطويرها خاضعة لقرارات خارجية.الحكم لا يعني إصدار القرارات فقط بل القدرة على تنفيذها. وإذا فقد المركز السياسي السيطرة على المجال الذي تُطبق فيه قراراته فإن وجوده القانوني لا يضمن فعاليته.وقد تنتج القيود الجغرافية والمالية والأمنية حتى من دون خطة معلنة واحدة أثرا تراكميا يعيد تشكيل العلاقة بين السكان والسلطة والمكان.التفكيك الوظيفي: سلطة قائمة بلا قدرة مركزيةيمكن وصف المسار المحتمل بـ«التفكيك الوظيفي» أي استمرار مؤسسات السلطة في أداء بعض الخدمات مع تراجع قدرتها على التنسيق واتخاذ القرار وإدارة المجال الفلسطيني كوحدة سياسية واحدة.قد تستمر الوزارات في إدارة المدارس والمستشفيات وتواصل البلديات تقديم الخدمات لكن قدرتها على التخطيط والتمويل والتنقل والتنفيذ تتقلص.في هذه الحالة تبقى السلطة موجودة من حيث الشكل لكنها تصبح مسؤولة عن نتائج لا تملك شروط التحكم بها. وهذا أخطر من الانهيار الكامل لأنه يحافظ على المؤسسة بينما يفرغها تدريجيا من وظيفتها السياسية.اليمين الإسرائيلي ورفض الدولة الفلسطينيةتقدم «خطة الحسم» التي طرحها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 إطارا لفهم جزء من هذا التوجه. فالخطة ترفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة وتدعو إلى ترسيخ السيادة الإسرائيلية على الأرض مع طرح خيارات تقوم على قبول الفلسطينيين بالعيش تحت السيادة الإسرائيلية أو الهجرة واستخدام القوة ضد المقاومة المسلحة.وتكمن أهمية الخطة في أنها لا ترى المشكلة في القيادة الفلسطينية وحدها بل في استمرار وجود مشروع سياسي فلسطيني يطالب بالسيادة.ومن هذا المنظور تمثل السلطة رغم محدودية صلاحياتها نواة مؤسسية لفكرة الدولة الفلسطينية. لذلك قد يصبح إضعاف مركزها وسيلة لتحويل القضية من مسألة تقرير مصير إلى ملفات إدارية وأمنية واقتصادية متفرقة.لكن ينبغي التمييز بين الخطة الأيديولوجية لسموتريتش والسياسة الحكومية الإسرائيلية الفعلية؛ فالتشابه بين بعض الإجراءات ومضامين الخطة لا يثبت تبنيها كاملة.نتنياهو: الحاجة إلى السلطة ورفض تحولها إلى دولةتقوم سياسة نتنياهو في جانب منها على إدارة الصراع بدلا من حسمه سياسيا. وفي هذا السياق تؤدي السلطة وظيفة مزدوجة: فهي تدير شؤونا مدنية وأمنية تخفف أعباء الحكم المباشر عن إسرائيل لكنها تبقى مقيدة بما يمنع تحولها إلى دولة مستقلة.إسرائيل قد تحتاج إلى استمرار مؤسسات فلسطينية تتولى الخدمات اليومية لكنها تعارض تحولها إلى مركز سياسي قادر على المطالبة بالسيادة.لذلك قد يجري الإبقاء على الوظائف الإدارية مع تقليص الوظائف السياسية والتمثيلية. غير أن تصريحات نتنياهو لا تكفي وحدها لإثبات تنفيذ هذا السيناريو إذ يجب انتظار القرارات والإجراءات الفعلية.المال والجغرافيا: أدوات إضعاف المركزيعتمد جزء مهم من إيرادات السلطة على نظام المقاصة الذي تديره إسرائيل وفق بروتوكول باريس الاقتصادي. ويجعل هذا الاعتماد المالي قدرة السلطة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات عرضة للضغط.ولا تقتصر آثار الأزمة المالية على الموازنة بل تمتد إلى تماسك المؤسسات وقدرتها على التخطيط والعمل الموحد. وعندما يقترن الضغط المالي بالقيود الأمنية والجغرافية تزداد احتمالات تحول السلطة إلى مؤسسات متفرقة تعمل بقدرات محدودة.كذلك أدى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج» إلى جانب المستوطنات والطرق والحواجز والمناطق العسكرية إلى إضعاف الترابط الجغرافي والاقتصادي بين المدن الفلسطينية.فالمدينة لا تصبح وحدة سياسية مستقلة لمجرد وجود مجلس بلدي لكنها قد تتحول إلى جزيرة معزولة إذا تراجعت صلتها بالمركز وبالمدن الأخرى.وإذا رافق ذلك نقل صلاحيات إلى مستويات محلية منفصلة فقد يتحول التقطيع الجغرافي إلى تجزئة سياسية.لماذا قد لا تُفكك إسرائيل السلطة بالكامل؟رغم دعوات اليمين إلى حل السلطة فإن تفكيكها الكامل قد يخلق فراغا إداريا وأمنيا ويحمّل إسرائيل مسؤوليات مباشرة في إدارة السكان والخدمات.كما أن انهيار السلطة قد يؤثر في علاقات إسرائيل بالدول العربية والجهات الدولية المانحة ويزيد من احتمالات الفوضى.ومن الناحية القانونية لا يؤدي وجود السلطة أو غيابها إلى إنهاء التزامات إسرائيل باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة وما يرتبط بذلك من التزامات.لهذا قد يكون إضعاف السلطة مع إبقائها قائمة أكثر ملاءمة من حلها الكامل لأنه يحافظ على بعض الخدمات ويجنب إسرائيل تبعات الانهيار المباشر.من روابط القرى إلى الإدارة المحليةتستحضر فكرة إضعاف المركز السياسي تجربة «روابط القرى» التي شجعتها سلطات الاحتلال في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات بهدف إنتاج قيادات محلية بديلة عن التمثيل الوطني الفلسطيني.لكن اللامركزية ليست بالضرورة مشروعا لتفكيك التمثيل الوطني. فقد تكون خيارا ديمقراطيا إذا نشأت بقرار فلسطيني حر وضمن نظام يحافظ على وحدة المؤسسات والمساءلة.أما الخطر فيظهر عندما تُفرض ترتيبات محلية من الخارج أو تُستخدم الإدارات البلدية بديلا عن المركز السياسي الوطني بما ينشئ علاقة مباشرة بين كل منطقة والسلطات الإسرائيلية.المسارات المحتملةيمكن تصور أربعة مسارات لمستقبل السلطة:1. استمرارها مع تعميق القيود المالية والجغرافية والأمنية.2. تفكيكها وظيفياً بحيث تبقى قانونيا وتتراجع قدرتها العملية.3. تقويض مؤسساتها المركزية وإنشاء ترتيبات محلية بديلة.4. تصعيد عسكري مؤقت لا يؤدي إلى تغيير مؤسسي دائم.ولا يمكن ترجيح أي مسار اعتمادا على التصريحات وحدها بل من خلال متابعة القرارات الحكومية والإجراءات المالية والتغييرات الإدارية وطبيعة العمليات العسكرية.المجتمع الدولي والمسؤولية الفلسطينيةلا تكفي حماية مؤسسات السلطة إداريا إذا استمرت الشروط التي تمنعها من ممارسة السيادة. فبناء الوزارات وتحسين الخدمات لا يساوي بناء الدولة ما لم يترافق مع السيطرة على الأرض والموارد والحدود.وفي المقابل لا يمكن تجاهل العوامل الداخلية مثل شرعية المؤسسات والمشاركة الديمقراطية ووحدة التمثيل السياسي وقدرة المجتمع الفلسطيني على حماية مؤسساته وتعزيز المساءلة.لكن الإصلاح الداخلي لا يعالج وحده مشكلة الاحتلال وغياب السيادة. فالأزمة نتاج تفاعل بين القيود الخارجية والاختلالات الداخلية.الخاتمة: بقاء المؤسسة لا يعني بقاء دورهالا تشير المعطيات المتاحة إلى أن إسرائيل قررت نهائيا حل السلطة الفلسطينية. لكن الخطر قد لا يكون في إغلاق الوزارات أو إسقاط المؤسسات بل في إبقائها قائمة مع تقليص قدرتها على الحكم والتمثيل.فقد تتحول السلطة إلى إدارة مسؤولة عن السكان والخدمات بينما تُنقل القدرة الفعلية على التحكم بالأرض والموارد والحركة إلى جهات أُخرى.وعندها لا يعود السؤال: هل ستبقى السلطة الفلسطينية؟ بل: ما الذي سيتبقى من سلطتها إذا فقدت القدرة على التحكم بالأرض والموارد والقرار؟لقد تأسست السلطة باعتبارها مرحلة تقود إلى الدولة. أما التحدي اليوم فهو ألا تتحول هذه المرحلة إلى صيغة إدارية دائمة داخل واقع الاحتلال.فالمؤسسة قد تبقى لكن بقاءها لا يضمن بقاء معناها السياسي أو اقترابها من الهدف الذي أُنشئت من أجله.

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)