تتردد في الآونة الأخيرة عبارة سياسية تحمل دلالات كبيرة: «سيكون بنيامين نتنياهو آخر رئيس حكومة لإسرائيل». وقد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، وكأنها تتنبأ بزوال دولة الاحتلال عقب رحيل نتنياهو، لكنها في سياق التحليل السياسي قد تحمل معنى مختلفًا وأكثر تعقيدًا.
فالمقصود ليس بالضرورة انهيار الدولة أو عجزها عن تشكيل حكومة جديدة، بل احتمال انتهاء مرحلة سياسية ارتبطت بشخصية نتنياهو، وطول بقائه في السلطة، وقدرته على إدارة التحالفات، ومناورة الخصوم، والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بمصير رجل واحد فحسب، بل بطبيعة النظام السياسي الذي ساهم في تشكيله، وبمدى قدرته على مواصلة العمل بالآليات نفسها بعد غيابه عن المشهد.
لا ينتمي نتنياهو إلى جيل مؤسسي دولة الاحتلال عام 1948، لكنه أصبح أحد أبرز الشخصيات السياسية التي طبعت الحياة السياسية الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة. وعلى خلاف قادة ارتبطت أسماؤهم بمرحلة تأسيس مؤسسات الدولة، ينتمي نتنياهو إلى جيل نشأ داخلها، وخاض صراعًا طويلًا على هويتها واتجاهاتها السياسية والأمنية والاستراتيجية.
ومنذ صعوده إلى السلطة، ثم عودته إليها بعد فترات من الغياب، تمكن نتنياهو من ترسيخ موقعه باعتباره أحد أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاءً في المنصب، مستفيدًا من قدرته على إعادة تشكيل الائتلافات، واستثمار الخلافات بين خصومه، والتكيف مع الأزمات السياسية المتلاحقة.
ولم يكن بقاؤه في الحكم نتاج حضوره الشخصي وحده، بل ارتبط أيضًا بطبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي، الذي يجعل تشكيل الحكومات مرهونًا بالتفاهمات بين الأحزاب، ويمنح القوى الصغيرة أحيانًا قدرة كبيرة على التأثير في هوية الائتلافات الحاكمة وبرامجها.
وقد أظهر نتنياهو قدرة على استثمار هذه المعادلة، والعودة إلى الحكم رغم الأزمات والانتقادات والانقسامات الداخلية. لكن هذه المكانة لا تعني أن الدولة أصبحت مرهونة بشخصه، أو أن رحيله سيؤدي تلقائيًا إلى نهاية المشروع الصهيوني؛ فالدول تقوم على مؤسسات وقوى اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية، وليس على شخصية واحدة مهما بلغ نفوذها.
التعليقات (0)