عندما يغادر الإنسان وطنه، لا يترك وراءه مكانا فقط، وإنما يترك جزءا من حياته وذاكرته وعلاقاته، ليبدأ في بلد جديد محاولة بناء حياة مختلفة. لكن الوصول لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة الهجرة؛ فقد يبدأ معها نوع آخر من البحث.
تستطيع الرسوم المتحركة تجاوز الحدود الجغرافية والزمنية لتصوير حياة الإنسان بين أكثر من ثقافة، وما يرافق ذلك من أسئلة عن الهوية والذاكرة وما يعنيه أن يكون للمرء أكثر من مكان يمكن أن يسميه وطنا. ومن خلال تجارب مختلفة للهجرة والمنفى والاغتراب، تكشف أفلام الأنيميشن التي اخترناها هنا أن الرحيل لا ينهي علاقة الإنسان بوطنه؛ فربما يصبح الوطن بعد مغادرته ذكرى نتمسك بها، أو ماضيا نحاول فهمه.
"جوزيب" (Josep) فيلم أنيميشن فرنسي-إسباني-بلجيكي للمخرج الفرنسي أوريل، صدر عام 2020، ويتناول جانبا من حياة الرسام الكتالوني جوزيب بارتولي، الذي اضطر إلى مغادرة إسبانيا هربا من ديكتاتورية فرانسيسكو فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية.
في فبراير/شباط 1939، فرّ مئات الآلاف من الجمهوريين الإسبان إلى فرنسا، لكنهم لم يجدوا بالضرورة الأمان الذي بحثوا عنه؛ إذ احتجزتهم السلطات الفرنسية في معسكرات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وهناك، تنشأ صداقة بين بارتولي وأحد حراس المعسكر، لتصبح هذه العلاقة مدخلا إلى استعادة تجربة المنفى وما يتركه الاقتلاع من الوطن في حياة الإنسان.
المنفى في الفيلم ليس انتقالا جغرافيا من بلد إلى آخر، فهو يكشف التناقض بين النجاة من الاضطهاد والوصول إلى مكان لا يعترف بالضرورة بحق الهاربين في حياة كريمة. فبارتولي ينجو من نظام سياسي يطارده، لكنه يجد نفسه خلف الأسلاك الشائكة في بلد يُفترض أنه ملاذه الآمن.
"حصان النافذة" (Window Horses) فيلم أنيميشن كندي من إخراج آن ماري فليمنغ، صدر عام 2016، ويقدم قصة روزي مينغ، شاعرة شابة من أصول صينية وإيرانية نشأت في كندا، ولم تغادرها من قبل. تحصل روزي على دعوة للمشاركة في مهرجان للشعر في مدينة شيراز الإيرانية، لكنها لا تتحمس للرحلة في البداية، إذ كانت تتخيل أن السفر إلى باريس هو الخطوة التي ستمنحها الإلهام وتفتح أمامها آفاقا جديدة. غير أن وجودها في إيران يضعها أمام تاريخ عائلتها، ويدفعها إلى إعادة النظر في علاقتها بوالدها الإيراني الذي غاب عن حياتها منذ طفولتها، وفي هويتها التي لم تحاول فهم جوانبها المختلفة من قبل.
التعليقات (0)