في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة، كنت في سيارة أجرة وسط شارع مزدحم إلى الحد الذي بدا فيه أن السيارات لم تعد وسائل للحركة، بل قطعًا ثابتة من مشهد طويل من الانتظار. أبواق السيارات ترتفع، الوجوه متعبة، والمسافات القصيرة تحتاج إلى صبر طويل. وفجأة، أخرج السائق رأسه من النافذة وصاح لسائق أمامه: "عجلة لقدّام والنبي!"
نظرت إلى الشارع. لا مكان للعجلة، ولا حتى لنصف عجلة. كل شيء أمامنا كان مغلقًا بالسيارات والبشر والضجيج. سألته مستغربًا ومبتسماً: لماذا تقول له "عجلة لقدّام" والشارع أصلًا واقف ولا توجد مساحة للحركة؟
ابتسم وقال ببساطة: "عشان يبقى عندنا أمل إننا نتحرك."
كانت جملة عابرة بالنسبة إليه، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لي. بقيت أفكر فيها بعد أن تحركت السيارة، وبعد أن غادرت القاهرة. أحيانًا تختصر حكمة الشارع ما تحتاج السياسة إلى مؤتمرات طويلة لتقوله. فالمسألة لم تكن عجلة سيارة، بل كانت فلسفة كاملة: عندما يكون الطريق مسدودًا، لا تطلب المستحيل، اطلب مساحة صغيرة إلى الأمام. لأن العجلة الواحدة تعني أن الوقوف ليس أبديًا.
وربما نحن في فلسطين أحوج ما نكون اليوم إلى هذه الفلسفة: عجلة لقدّام والنبي؛ واقعنا مزدحم بالأزمات إلى درجة تجعل الوقوف مفهومًا أحيانًا. احتلال وحرب ودمار، أزمة مالية، هدم وفقر، مؤسسات تعمل تحت ضغط استثنائي، اقتصاد يضيق، أفق سياسي يكاد يختفي، ومواطن أنهكته الأخبار والانتظار. وكل أزمة منها تصلح وحدها ذريعة كافية لأن نقول: ماذا نستطيع أن نفعل؟
لكن السؤال الأخطر ليس ماذا نستطيع أن نفعل، بل ماذا يحدث لنا إذا توقفنا جميعًا في انتظار أن ينفتح الطريق كاملًا؟ الدول والمجتمعات لا تتقدم دائمًا بالقفزات الكبرى. أحيانًا تنجو بعجلة. خطوة صغيرة هنا، وقرار هناك، ومبادرة في مؤسسة، وفرصة لشاب، ومشروع في قرية، وتحسين في خدمة، وفكرة جديدة داخل جامعة، ومساحة إضافية للقطاع الخاص، وتعاون بين مؤسستين كانتا تعملان منفصلتين. هذه الأشياء قد تبدو صغيرة أمام حجم المأساة، لكنها حين تتراكم تصبح حركة، والحركة تصنع اتجاهًا، والاتجاه يصنع مستقبلًا.
التعليقات (0)