حين وقف الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي إلى جوار نظيره الكيني ويليام روتو في نيروبي في 12 يوليو/تموز 2023، وصف روتو طهران بـ"الشريك الإستراتيجي المهم"، معربا عن أمله في تحسين الميزان التجاري عبر زيادة صادرات بلاده من الشاي واللحوم والمنتجات الزراعية إلى السوق الإيرانية، فضلا عن تطلعه إلى استفادة كينيا من الخبرات والدعم الإيرانيين في قطاعي الصحة والاقتصاد الأزرق، ولا سيما المصايد.
كانت كينيا المحطة الأولى في جولة رئيسي الأفريقية، التي شملت أيضا أوغندا وزيمبابوي. وعند عودته إلى طهران، تحدث رئيسي عن نتائج الجولة بلغة بدت بعيدة عن خطاب مضيفيه الأفارقة، إذ وضع "توسيع العمق الإستراتيجي لإيران" في صدارة أهدافها.
ففي حين روجت نيروبي للزيارة من زاوية المنافع الاقتصادية المنتظرة، قدمتها طهران إلى جمهورها الداخلي بوصفها امتدادا طبيعيا لرسالة الثورة الإسلامية؛ إذ قال رئيسي إن إيران أقامت علاقات جيدة مع كثير من دول العالم، ولا سيما الدول الأفريقية، لأن شعوب القارة رأت في الشعب الإيراني وثورته إيمانا وروحا مناهضة للاستعمار وشجاعة. وعلى هذا النحو، لم تظهر أفريقيا في الخطاب الإيراني باعتبارها سوقا ناشئة أو شريكا تجاريا، وإنما بوصفها فضاء سياسيا وأيديولوجيا يمكن أن تجد فيه مفاهيم "المستضعفين" و"مقاومة الهيمنة الغربية" صدى واسعا.
وراء المسافة بين "خطاب الشاي" الذي تبنته كينيا و"خطاب العمق الإستراتيجي" الذي تبنته إيران، تقف مادتان دستوريتان تحكمان السياسة الخارجية الإيرانية. فالدستور الإيراني لا يقرأ العلاقات الدولية بمنطق المصالح وحدها، وإنما يقسّم العالم أخلاقيا وسياسيا بين قوى "مستكبرة" وشعوب "مستضعفة"، فبينما تنص المادة 152 على رفض الخضوع للقوى المهيمنة، تؤكد المادة 154 دعم الجمهورية لـ"نضال المستضعفين" من أجل نيل حقوقهم.
غير أن المادة نفسها تضع قيدا واضحا، هو الامتناع الكامل عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ما يعني أن الدستور يجمع بين دعم الشعوب والحركات التي تراها طهران واقعة تحت الهيمنة، والتعهد في الوقت نفسه باحترام سيادة الدول؛ أي أنه لا يقدم تفويضا مفتوحا بما يُعرف بـ"تصدير الثورة"، ويضع هذا الطموح من الناحية النظرية داخل حدود قانونية وسياسية معلنة.
غير أن هذا التوازن يترك مساحة واسعة للتأويل عند الانتقال من النص إلى الفعل؛ إذ يبرز هنا التساؤل عما يُعد دعما للمستضعفين، وما التعريف الدقيق لهؤلاء، وأين ينتهي هذا الدعم تحديدا ومتى يبدأ التدخل. ففي الممارسة، لم تكن الإجابة ثابتة ولم تكن منفصلة أيضا عن حسابات الأمن القومي الإيراني؛ إذ يشير مسار السياسة الخارجية الإيرانية إلى تداخل مستمر بين "الإرث الثوري" من جهة، وضرورات بقاء النظام وردع خصومه وحماية حلفائه وتوسيع هامش حركته من جهة أخرى، مع امتلاك المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، تأثيرًا مهمًا في تحديد الكيفية التي تتحول بها هذه المبادئ العامة إلى سياسات ملموسة.
التعليقات (0)