بعد ثلاثة عقود على واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر، أعاد أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب فتح ملف عمليات المقاومة التي شهدها عام 1996، برواية أثارت جدلًا يتجاوز الخلاف التقليدي بين حركتي فتح وحماس إلى سؤال تاريخي وسياسي يمس طريقة قراءة النضال الفلسطيني نفسه.
فالمسألة لا تتوقف عند السؤال عما إذا كانت تلك العمليات ردًّا على اغتيال القيادي في كتائب القسام يحيى عياش، كما سجلت مصادر تلك المرحلة، أم اتُّخذ قرارها بهدف إسقاط شمعون بيريس والتأثير في الانتخابات الإسرائيلية؛ بل تتصل أيضًا بمدى مشروعية اختزال مرحلة من المقاومة الفلسطينية في هدف انتخابي إسرائيلي، وبالمسؤولية السياسية والوطنية عن إطلاق اتهام بهذا الحجم بعد ثلاثين عامًا، وفي توقيت تتقدم فيه الدعوات إلى الحوار والوحدة الفلسطينية.
تصريحات الرجوب جاءت في حديث للتلفزيون العربي ضمن برنامج “وفي رواية أخرى”، وقال له: إن عمليات عام 1996 نُفذت بتوجيه من القيادي في حركة حماس خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي في حينه) بهدف إسقاط حكومة بيريس وإيصال نتنياهو إلى الحكم، مستندًا إلى إفادة محمد أبو وردة، أحد معتقلي كتائب القسام، خلال احتجازه لدى أجهزة الأمن الفلسطينية في أريحا، والتي نُقلت عبر التلفزيون الإسرائيلي حينها. وشكك فيها الصحفي يوسي ميلمان، في تقرير نشرته “لوس أنجلوس تايمز” آنذاك، نظرًا إلى ظروف التحقيق والاحتجاز، بما يجعلها بحاجة إلى الحذر ولا تكفي منفردة لإثبات دوافع العمليات.
ورفضت حركة حماس في بيان لها رواية الرجوب، وقالت إنها “لا أساس لها من الصحة”، معتبرة أنها تتعارض مع مقتضيات المسؤولية الوطنية وأجواء الحوار الفلسطيني.
وبعيدًا عن أي سجال، يمكن وضع تصريحات الرجوب مسألتين أمام الفحص: الأولى تاريخية، تتعلق بما تقوله الوقائع والمصادر عن عمليات 1996 ودوافعها؛ والثانية سياسية، تتصل بجدوى استحضار اتهام كهذا في لحظة فلسطينية يفترض أنها تتجه نحو إعادة بناء الوحدة والثقة بين القوى المختلفة.
لكن ثمة مسألة أعمق ينبغي ألا تضيع وسط الجدل حول نية منفذي العمليات، وهي أن قراءة المقاومة خارج سياق العدوان الإسرائيلي الذي سبقها وأحاط بها تؤدي، بقصد أو من دونه، إلى نزعها من سياقها الفلسطيني وتحويلها من فعل نشأ في مواجهة الاحتلال وسياساته إلى مجرد أداة في لعبة سياسية إسرائيلية داخلية. والخطر هنا لا يتعلق فقط بعملية 1996، بل بمنهج في قراءة التاريخ يبدأ من رد المقاومة ويتجاهل ما سبقه من جرائم واغتيالات واعتقالات واقتحامات وقمع واعتداءات، ثم يطلب تفسير الفعل الفلسطيني بمعزل عن الأسباب التي أنتجته.
التعليقات (0)