تفرض التحولات الحضارية والرقمية إعادة تحديد غايات التعليم، وطبيعة المعرفة، والقدرات التي يحتاجها المتعلم لفهم العالم والتفاعل مع متغيراته، وفي مقدمتها التفكير النقدي والاستدلال والتحقق وحل المشكلات والتعلم المستمر.
وفي فلسطين، تتشابك هذه التحولات مع تحديات الاحتلال والحرب وتراجع نواتج التعلم، فيما يواجه التعليم في قطاع غزة دمارا واسعا وانقطاعا ممتدا. ويضع ذلك النظام التعليمي أمام استحقاق وطني يتجاوز تطوير أساليب التدريس إلى إعادة بناء قدرته على ضمان تعلم نوعي ومستدام، وصون حق الأطفال في التعليم.
من هنا، تبرز الحاجة إلى نموذج فلسطيني للتعلم التفاعلي يوائم بين بناء المعرفة وتوظيفها، ويجعل المتعلم فاعلا في تعلمه، والمعلم قائدا للعملية التعليمية، والتقويم أساسا لتوجيه القرار وتصحيح السياسات، ضمن مرجعية وطنية تضبط التكامل بين المناهج والتدريس والتقويم والتمويل.
وتتأسس السيادة التربوية على قدرة المجتمع الفلسطيني على تحديد أولوياته التعليمية ومعاييره الناظمة، والاستفادة النقدية من المعرفة والخبرات الإنسانية في ضوء احتياجاته وسياقه الوطني.
أولاً: التعلم التفاعلي في سياق التحولات الحضارية
تتحدد قيمة التعليم بقدرته على بناء الفهم وتنمية التفكير وتمكين المتعلم من توظيف المعرفة في تفسير الظواهر وتحليل القضايا وحل المشكلات. ويقوم التعلم التفاعلي على مشاركة عقلية فاعلة تتجسد في التساؤل والاستقصاء والحوار والتجريب وبناء الحجج وفحص الأدلة. ويتولى المعلم تصميم خبرات التعلم وتوجيه التفكير وتشخيص الصعوبات وتقديم التغذية الراجعة، بما يضمن بناء المعرفة على أسس علمية سليمة. ويُقاس التفاعل بعمق الفهم وجودة الاستدلال والقدرة على تطبيق المعرفة في سياقات جديدة، لا بكثرة الأنشطة أو بمجرد استخدام التكنولوجيا.
التعليقات (0)