ما الذي يحدث حين تُغنّى الأرض بأصواتٍ غير أصوات أهلها، وحين يرتفع الفرح فوق أشجارٍ حُرم أصحابها من الوصول إليها؟
في ترمسعيا، كانت فتيات من التلال يرقصن ويغنين (ترمسعيّا يَمّا) بين أشجار الزيتون، على أرضٍ سُلبت من أصحابها. مشهد تختلط فيه الأغنية بالمفارقة، ويصبح فيه اسم المكان سؤالا عن أصحابه، وعن الذاكرة التي لا تُرى، وعن الفرق بين من يقف فوق الأرض ومن تنبض الأرض في جذوره.
في حقولنا، لم تعد الأغاني تتعالى كما كانت. غابت أصوات النساء التي كانت ترافق القطاف، واختلطت ضحكات الأطفال بصفارات الإسعاف وصوت الرصاص. صار الوصول إلى شجرة دروب مخاطرة، وصار الفلاح الذي يحمل أدوات القطاف مضطراً إلى الدفاع عن حقه في الوصول إلى ثمرة زرعها، وأرض ورثها، وحياة لم يطلب منها سوى أن تستمر.
كأنّ الاقتلاع لا يريد أن ينتزع الأرض وحدها، بل يريد أن ينتزع منها حكايتها أيضا؛ أن يُبعد الإنسان عن شجرته، ثم يترك المكان يتحدث بصوت آخر، وكأن الذين غرسوا جذوره لم يكونوا هنا يوماً.
تبكيني الأشجار حين أراها تنكسر، لا أراها أغصاناً محطمة فحسب، إنما كائنات تُعاقَب لأنها تجذرت في مكانها، تشبه الفلسطيني الذي لا يحمل إلى أرضه سوى أدوات القطاف، فيجد نفسه أمام مستوطن مسلح يريد أن ينتزع منه حق الوصول، وحق الحياة، وحق أن يكون صاحب المكان الذي ورثه عن أجداده.
ثمة مفارقة موجعة في أن يرتفع اسم ترمسعيا في حناجر من يسيطرون على أرضها، بينما يُحرم أبناؤها من الوصول إلى أشجارها. كأن الاستيلاء لا يريد الأرض وحدها، بل يريد أن يرث صوتها أيضا؛ أن يأخذ المكان من أهله، ثم يتصرف كأنه كان دائما جزءا من حكايته.
التعليقات (0)