من حارة التمكبشية بالجمالية، يتفرع شارع النصر، الذي عرفه المصريون بشارع الوكالات، حيث وكالة بازرعة، ووكالة التمباك، ووكالة "كحلا". ومن بين هذه الوكالات القديمة، احتفظت "كحلا" باختصاصها في تجارة الخيش. وقد ذكرها المؤرخ أندريه ريمون مرتين: إحداهما باسم "وكالة الخيش"، والأخرى باسم تاجر خيش من الفيوم، عام 1776. ومنذ الأربعينيات، حافظت عائلة الحاج بكر على إرث الوكالة في الجمالية، وتراث تجارة الخيش في مصر.
عرفت مصر الخيش منذ العصر الفاطمي، وكان يُصنع من سيقان نبات القنب "الحشيش"، ويستخدمه حكام الدولة الفاطمية في تبريد مجالسهم. ثم استخدمه المصريون في تبريد قلل المياه، وتخزين الحبوب والمحاصيل لحمايتها من الرطوبة والحرارة.
وبعد صدور قرار بمنع زراعة الحشيش (نبات القنب الهندي) عام 1838، في عهد محمد علي، دخل الخيش مرحلة جديدة مع استيراده من شبه القارة الهندية، ممهورا بالختم الإنجليزي.
وفي الأربعينيات، مع ازدهار زراعة القطن، استعاض المصريون بنبات التيل عن القنب الهندي، ليُستأنف تصنيع الخيش محليا.
وفي عام 1959، نشرت صحيفة الأهرام خبرا عن افتتاح جمال عبد الناصر أول مصنع للتيل في مصر، تحت عنوان "عبوات جديدة للقطن"، وذلك بعد نجاح مشروع الهيئة الزراعية في القطر المصري بالجمهورية العربية المتحدة. وأشار الخبر إلى أن العبوات الجديدة بديل للخيش، ويمكن استخدامها، بعد إفراغها من الحبوب، في صناعة ملابس جميلة للفلاحين.
وطوال هذه التحولات، ظلت "وكالة الخيش" في الجمالية تواصل عملها دون انقطاع، منذ بنائها في العهد العثماني وحتى تولي عائلة بكر إدارتها عام 1955.
التعليقات (0)