في ليلة التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2025، كانت المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو في عرض البحر، تحاول اللحاق بحفل تسلّم جائزة نوبل للسلام في العاصمة النرويجية أوسلو، بعد شهور قضتها متخفية داخل بلادها فرارا من ملاحقة السلطات. فقد غادرت سرًّا على متن قارب صيد صغير انطلق من قرية ساحلية، متجهًا إلى قارب آخر ينتظرها في عرض البحر، يقلّ فريق إنقاذ تابعا لمؤسسة "غراي بول ريسكيو" (الثور الرمادي للإنقاذ) الأمريكية، يقوده محارب أمريكي سابق يُدعى برايان ستيرن. وفي الطريق، تعطّلت أجهزة الملاحة والاتصال في قارب الصيد فانجرف، واضطر الفريق إلى البحث عنه في الظلام. ولم تبلغ ماتشادو أوسلو إلا بعد انتهاء الحفل، فتسلّمت ابنتها آنا كورينا سوسا الجائزة نيابة عنها، قبل أن تهديها لاحقًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وقد أطلقت المؤسسة على المهمة اسم "الديناميت الذهبي"، في إحالة مزدوجة إلى الجائزة وإلى ألفريد نوبل، وقدّمتها بوصفها نموذجًا لقدرتها على إخراج شخصيات سياسية مطاردة من بيئات شديدة المراقبة. غير أن تفاصيل العملية كشفت أن "غراي بول" لا تتحرك في فضاء خاص منفصل تمامًا عن الدولة. فمع أن ستيرن قال إن متبرعين، لم يكشف عن أسمائهم، تكفّلوا بتمويل المهمة، وإن الحكومة الأمريكية لم تدفع فيها شيئًا "على حد علمه"، أقرّ بأن فريقه أبلغ جهات اتحادية أمريكية عدة مسبقا بالخطوط العامة للعملية حتى لا يُستهدف القارب، في وقت كانت فيه إدارة ترمب قد نفّذت أكثر من 20 ضربة على قوارب قالت إنها تهرّب المخدرات في البحر الكاريبي. وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن الإدارة الأمريكية كانت على علم بالعملية، وإن ظل دورها فيها غامضا.
لا يثبت ذلك أن واشنطن قدّمت معلومات استخباراتية أو دعمًا عملياتيًا؛ فقد نفى مسؤولون في الإدارة دقة رواية الاتصال بالجيش، في حين قالت ماتشادو إنها حظيت بدعم الحكومة الأمريكية دون أن تفصّل. لكنه يضع العملية في قلب المنطقة الرمادية التي تعمل فيها "غراي بول"؛ فهي ليست مهمة حكومية تخضع للمساءلة العلنية، لكنها أيضًا ليست عملية خاصة منفصلة تمامًا عن شبكات القوة الأمريكية.
تعود جذور "غراي بول" إلى صيف 2021، بعدما دفع انهيار عملية الإجلاء الأمريكية في أفغانستان ستيرن ومجموعة من المحاربين السابقين إلى تنظيم رحلات لإخراج أمريكيين وحلفاء أفغان تُركوا خلف القوات المنسحبة، تحت اسم "مشروع دينامو". ففي 28 سبتمبر/أيلول من ذلك العام، سيّر الفريق أول رحلة مستأجرة تغادر كابل بعد الانسحاب، وعلى متنها 117 شخصا من المواطنين الأمريكيين وحاملي الإقامة الدائمة. وفي عام 2024، أطلق ستيرن "غراي بول"، وانتقل معه إليها 74 من أعضاء فريقه السابق البالغ عددهم 76.
وتؤكد المؤسسة أن عملها لا يقتصر على الإجلاء الجماعي أو إخراج الشخصيات السياسية المستهدفة، وإنما يشمل إنقاذ الرهائن وضحايا الاختطاف، ونقل الأفراد المطاردين من حكومات أو جماعات مسلحة، إلى جانب الإغاثة في الكوارث الطبيعية. وتقول إنها تخدم الأمريكيين وحلفاءهم. ففي يوليو/تموز 2025، أخرجت "غراي بول" أسرة أمريكية علقت في السويداء جنوبي سوريا مع تصاعد الاشتباكات، فيما أعلن مكتب السيناتور الراحل ليندسي غراهام نجاح المهمة، مشيرًا إلى متابعته العملية وتعاونه مع وزارة الخارجية، ما يكشف صيغة تتكرر في عمل المؤسسة؛ فهناك جهات حكومية تتابع وتنسق من الخلف، فيما يتولى التنفيذ الميداني فريقها المكوّن من محاربين واستخباراتيين سابقين، متحررًا نسبيًا من القيود السياسية والبيروقراطية التي تحدّ من التحرك الرسمي المباشر. وتكررت الصيغة نفسها في مارس/آذار 2026، خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حين نقلت المؤسسة 300 أمريكي من الشرق الأوسط إلى واشنطن في مهمتها الـ805، بالتنسيق مع وزارة الخارجية. وقدّر ستيرن يومها كلفة إنقاذ الشخص الواحد بما بين 15 و50 ألف دولار.
غير أن هذا النموذج، القائم على تحويل الخبرة العسكرية إلى قدرة إنقاذ مدني، تسبق جذوره "غراي بول" بأكثر من نصف قرن، حين أدى اتساع عمليات خطف رجال الأعمال في أمريكا اللاتينية إلى نشوء سوق متخصصة لإدارة أزمات الرهائن. ولم تكن الشركات الأولى تنفذ اقتحامات عسكرية بالضرورة؛ إذ انصب عملها أساسًا على منع الخطف، وإدارة التفاوض، وتأمين دفع الفدية واستعادة المحتجزين. ثم التقت هذه الصناعة لاحقًا بسوق الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، فوسّعت نطاقها من التفاوض والاستشارات إلى الإجلاء والاستخراج الميداني.
التعليقات (0)