أعلن باحثون متخصصون في علوم الآثار بليبيا عن كشف أثري جديد في منطقة شط البدين، التي تقع على مسافة تقدر بنحو 100 كيلومتر إلى الغرب من مدينة بنغازي. وأوضحت المصادر أن المعطيات الميدانية الأولية تشير إلى العثور على مبنى تاريخي يرجح الباحثون أنه كان يتكون من طابقين في عصور سابقة. ويمتاز هذا الاكتشاف بوجود زخارف فنية نادرة تزين الجدران الداخلية للمبنى، مما يضفي عليه قيمة تاريخية استثنائية.
تتمثل الأهمية الفنية لهذا الموقع في احتوائه على رسوم من فن «الفريسكو»، وهو أحد أرقى الفنون الجدارية القديمة التي تعتمد على تقنيات محددة في التنفيذ. ويعكس هذا الاكتشاف جانباً من الثراء الثقافي للمنطقة الذي لم يكن موثقاً أو معروفاً لدى الأوساط العلمية في وقت سابق. ويؤكد الخبراء أن هذا النوع من الزخارف يتطلب مهارات معمارية وفنية متقدمة كانت سائدة في تلك الحقبة الزمنية.
يُعرف فن «الفريسكو» بأنه أسلوب للرسم يعتمد على استخدام الألوان المائية فوق طبقات الجص الغض قبل جفافه تماماً. وتتطلب هذه العملية دقة متناهية وسرعة في الأداء لضمان اندماج الألوان مع مادة البناء الأساسية. وتؤدي هذه التقنية إلى جعل الرسوم جزءاً لا يتجزأ من الجدار، مما يمنحها ديمومة طويلة وقدرة عالية على مقاومة العوامل الجوية المختلفة عبر القرون.
تاريخياً، انتشر فن الفريسكو بشكل واسع في الدول المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث انتقل بين الحضارات المتعاقبة وتطور بمرور الزمن. ويعد العثور على نماذج منه في ليبيا دليلاً على التواصل الحضاري والتأثر بالأنماط الفنية العالمية القديمة. ويشير الباحثون إلى أن هذا الفن كان يستخدم غالباً في تزيين القصور والمباني العامة الهامة.
جاء هذا الاكتشاف المهم خلال تنفيذ فريق تابع لمراقبة آثار بنغازي لأعمال تنظيف دورية في الموقع المستهدف. وقام الفريق بإزالة الأتربة والعوالق المتراكمة التي كانت تغطي المعالم المعمارية للمبنى المكتشف. وقد بدأت الملامح الأولى للجدران المزينة بالظهور بشكل تدريجي أثناء عمليات التنقيب السطحي وإزالة الركام التي جرت خلال الساعات الماضية.
أكد الباحث الأثري خالد معمر البريكي أن الموقع المكتشف يعد من النماذج الفريدة والمتميزة في المنطقة الليبية. وأوضح البريكي أن هذا المعلم من شأنه أن يساهم في تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الموروث الثقافي الوطني. كما أشار إلى أن الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة وواسعة أمام الباحثين لإجراء دراسات تاريخية معمقة حول طبيعة الاستيطان البشري في تلك المنطقة.
التعليقات (0)