الخميس 22 أكتوبر 2026 12:52 مساءً - بتوقيت القدس
في لحظة تاريخية تتزايد فيها التحديات التي تواجه الذاكرة الفلسطينية وتراثها الوثائقي، اكتسب الاحتفال بيوم الوثيقة العربية لعام 2026 أهمية استثنائية، بعدما خُصصت فعالياته للأرشيف الوطني الفلسطيني تحت شعار: **«الأرشيف الوطني الفلسطيني: ذاكرة تحت الاحتلال... من المحو إلى الحفظ»**، في رسالة عربية واضحة تؤكد أن حماية الوثيقة الفلسطينية ليست شأناً محلياً أو مسألة فنية متخصصة، بل مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية تتصل بحماية الهوية وصون التاريخ والدفاع عن الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.واستضافت جامعة الدول العربية، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، الفعالية السنوية التي نظمتها الأمانة العامة للجامعة بالتنسيق مع الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف (عربيكا)، وبمشاركة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومؤسسات الوثائق والأرشيف العربية، ونخبة من الخبراء والباحثين والمتخصصين. وأقيمت الفعالية تحت رعاية معالي الدكتور نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، ومثّله سعادة السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة.
وقد عكست هذه المشاركة العربية الواسعة إدراكاً متزايداً لأهمية الأرشيف الفلسطيني بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لحفظ الذاكرة الوطنية، وصون الموروث الحضاري، وتوثيق التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لفلسطين، في ظل ما تتعرض له المؤسسات والمقتنيات والمواد الوثائقية الفلسطينية من أخطار التدمير والفقد والتشتت والمصادرة.الوثيقة الفلسطينية... شاهد على التاريخ والهوية والحقوقلا تقتصر أهمية الوثيقة على المعلومات التي تتضمنها، ولا تنحصر وظيفة الأرشيف في حفظ الأوراق والسجلات القديمة، بل تتجاوز ذلك إلى حفظ الأدلة والشواهد التي توثق علاقة الإنسان بأرضه، وتحفظ تاريخ المدن والقرى، وتثبت ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتوثق التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني عبر العصور.فالخرائط وسجلات الأراضي والطابو والنفوس والمخطوطات والصور والصحف والمراسلات والسجلات الرسمية والخاصة، جميعها تشكل مصادر أساسية لفهم التاريخ الفلسطيني وتوثيق تفاصيله، كما تمثل رصيداً معرفياً لا غنى عنه للباحثين والمؤرخين والمؤسسات الأكاديمية والثقافية.ومن هنا، فإن استهداف الأرشيف أو إهماله أو تشتيته لا يعني فقدان مجموعة من الوثائق فحسب، بل قد يؤدي إلى فقدان معلومات لا يمكن تعويضها، وإضعاف القدرة على إعادة بناء الوقائع التاريخية، وحرمان الأجيال القادمة من مصادر أصيلة تساعدها على معرفة تاريخها وفهم حاضرها.وفي الحالة الفلسطينية، تتضاعف أهمية هذه المسؤولية بسبب الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وما تفرضه من تحديات على المؤسسات المعنية بحماية التراث والذاكرة الوطنية. ولذلك، فإن الحفاظ على الوثيقة الفلسطينية يمثل عملاً استراتيجياً لحماية الهوية، وضمان استمرارية المعرفة التاريخية، وصون الحقوق المرتبطة بالأرض والإنسان والمكان.«من المحو إلى الحفظ»... من الشعار إلى العمل المؤسسيحمل شعار الاحتفالية هذا العام دلالات تتجاوز حدود التعبير الرمزي؛ فهو يضع المؤسسات الأرشيفية أمام مسؤولية الانتقال من التحذير من مخاطر فقدان الذاكرة إلى بناء منظومة متكاملة لحمايتها.ويبدأ ذلك بحصر الأصول الوثائقية الفلسطينية وتحديد أماكن وجودها، وتقييم الأخطار التي تهددها، وتطوير خطط الحفظ الوقائي والترميم، وإنشاء نسخ رقمية موثوقة، وبناء قواعد بيانات مترابطة، وتوفير بيئات آمنة لحفظ الأصول وإتاحتها للباحثين وفق الضوابط القانونية والمهنية.كما يتطلب هذا المسار العمل على تتبع الأرشيفات الفلسطينية الموجودة خارج الوطن، سواء كانت محفوظة لدى مؤسسات عربية أو دولية أو موزعة في مجموعات ومراكز أرشيفية مختلفة، وتوثيقها، والسعي إلى استعادة ما نُهب أو نُقل بصورة غير مشروعة، وتعزيز التعاون مع الجهات المعنية لاسترداد الوثائق والمقتنيات ذات الصلة بالتاريخ الفلسطيني.ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال الجهود الفردية أو المبادرات المؤقتة وحدها، بل يستلزم استراتيجية وطنية واضحة، تتكامل فيها مسؤوليات المؤسسات الرسمية والأكاديمية والثقافية، وتتوافر لها الإمكانات البشرية والتقنية والمالية اللازمة.جاءت استضافة جامعة الدول العربية لهذه الفعالية لتؤكد أهمية العمل العربي المشترك في حماية التراث الوثائقي، وتعزيز التعاون بين مؤسسات الأرشيف في مواجهة التحديات التي تتجاوز الحدود الوطنية.وقد أكدت الكلمات الرسمية خلال الاحتفالية أن الوثيقة العربية تمثل جزءاً أصيلاً من ذاكرة الأمة وهويتها، وأن حماية الأرشيف الفلسطيني تتطلب تضافر الجهود العربية والمهنية والإنسانية، والانتقال من التأكيد على أهمية القضية إلى تنفيذ برامج عملية للحفظ والرقمنة والتبادل المعرفي واستعادة الوثائق المنهوبة.كما استحضر المشاركون الجهود العربية الرامية إلى استعادة الأرشيفات العربية المنهوبة والمسلوبة، وفي مقدمتها الاستراتيجية العربية الموحدة لاستعادة الأرشيفات العربية المنهوبة والمسلوبة لدى الدول الأجنبية والاستعمارية، التي أقرها مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري عام 2016.وتبرز أهمية هذه الجهود في ضرورة تطوير آليات للتعاون وتبادل الخبرات، وإعداد قواعد بيانات مشتركة للأرشيفات المفقودة والمشتتة، وتوحيد الجهود في التوثيق والتعريف بالمقتنيات، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الأرشيفية العربية والمنظمات الدولية المتخصصة.إن التضامن العربي في هذا المجال ينبغي ألا يتوقف عند البيانات والمواقف، بل يجب أن يتحول إلى مشروعات مشتركة، وبرامج تدريب، ومبادرات للإنقاذ الرقمي، وخطط واضحة لتحديد الوثائق الفلسطينية وحمايتها واستعادتها.المكتبة الوطنية الفلسطينية والتحول نحو الأرشيف الرقميبرزت خلال الاحتفالية أهمية الجهود التي تبذلها المكتبة الوطنية الفلسطينية في بناء منظومة وطنية لحفظ الإنتاج الفكري والثقافي والوثائقي الفلسطيني، وتطوير البنية الرقمية اللازمة لحماية الذاكرة الوطنية وإتاحتها.وفي كلمته، استعرض رئيس المكتبة الوطنية الفلسطينية، الأستاذ الدكتور مروان عورتاني، الجهود المبذولة لإنشاء مكتبة رقمية وأرشيف وطني رقمي، وتطوير منظومة الإيداع القانوني الرقمي، وبناء منصة للأرشيف الوطني تستوعب مصادر تاريخية متنوعة تشمل الوثائق والخرائط والمخطوطات والصور والأفلام وغيرها من المواد ذات القيمة التاريخية والمعرفية.وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى توفير بدائل تقنية مرنة وآمنة لحماية الأصول الوثائقية، وتعزيز قدرة المؤسسات الفلسطينية على جمع المقتنيات وتنظيمها ووصفها وفق المعايير الدولية، وإتاحتها للباحثين والمهتمين.غير أن التحول الرقمي لا يعني مجرد تحويل الوثائق الورقية إلى صور إلكترونية؛ فهو عملية متكاملة تتطلب سياسات واضحة لإدارة المحتوى، ومعايير دقيقة للوصف والفهرسة، وضمان أصالة الملفات الرقمية وسلامتها، وإدارة حقوق الوصول والخصوصية، وإنشاء نسخ احتياطية، وتطبيق إجراءات أمن المعلومات، والتحقق الدوري من سلامة البيانات واستدامة الملفات على المدى الطويل.ومن هنا، فإن بناء الأرشيف الوطني الرقمي يمثل مشروعاً مؤسسياً واستراتيجياً يتطلب تكامل الخبرات الأرشيفية والتقنية والقانونية، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات البشرية وتطوير برامج التأهيل الأكاديمي والمهني.المعرض الوثائقي والندوة العلمية... الذاكرة الفلسطينية في المجال العربيشكّل معرض «فلسطين في الوثائق العربية» إحدى المحطات البارزة في الاحتفالية، بمشاركة مؤسسات من عدد من الدول العربية، من بينها مصر وليبيا وتونس والإمارات والأردن والسعودية وسلطنة عُمان وفلسطين.وأتاح المعرض فرصة لاستعراض وثائق وشواهد تاريخية تبرز عمق العلاقات الفلسطينية العربية، وتقدم نماذج من حضور فلسطين في الذاكرة الوثائقية العربية، مؤكداً أن تاريخ فلسطين لم يكن معزولاً عن محيطه العربي، بل كان جزءاً من تفاعلاته السياسية والاجتماعية والثقافية.كما عُقدت ندوة متخصصة بعنوان «فلسطين في الذاكرة الوثائقية العربية»، تناولت جوانب من أهمية الوثائق والمخطوطات والمصادر التاريخية في حفظ الذاكرة الفلسطينية، وتعزيز التعاون العلمي بين المؤسسات المعنية.وتبرز القيمة العلمية لمثل هذه الفعاليات في أنها تتيح تبادل الخبرات، وتفتح المجال أمام دراسات جديدة تستند إلى المصادر الأصلية، وتشجع على اكتشاف المجموعات الوثائقية ذات الصلة بفلسطين، وتطوير وسائل التعريف بها وإتاحتها للباحثين.وشهدت الاحتفالية كذلك تكريم شخصيات ومؤسسات أسهمت في حفظ التراث الفلسطيني وتوثيقه، في لفتة تؤكد أهمية الاعتراف بجهود العاملين في هذا المجال، وتقدير دور المؤسسات والمبادرات التي تسهم في صون الذاكرة الوطنية.الأرشيف الفلسطيني مسؤولية عربية وإنسانية مشتركةإن الرسالة الأساسية التي حملتها احتفالية يوم الوثيقة العربية لعام 2026 تتمثل في أن حماية الأرشيف الفلسطيني لا يجوز أن تبقى مسؤولية المؤسسات الفلسطينية وحدها، بالنظر إلى حجم التحديات التي تواجهها، وأهمية الوثائق التي تحفظها بالنسبة إلى التاريخ العربي والإنساني.وتقتضي هذه المسؤولية تطوير برامج عملية لدعم المؤسسات الأرشيفية الفلسطينية، وتوفير الخبرات والتقنيات اللازمة، وتعزيز مشروعات الرقمنة والحفظ طويل الأمد، وتوثيق الأرشيفات الموجودة خارج فلسطين، والعمل على استعادة الوثائق المنهوبة والمصادرة، وتوسيع نطاق التعاون مع المؤسسات العربية والدولية.كما تفرض الحاجة إلى بناء وعي مجتمعي بأهمية الأرشيف، وتشجيع الأفراد والعائلات والبلديات والمؤسسات على حفظ مقتنياتهم الوثائقية وتوثيقها، وتطوير آليات مهنية لاستقبال المجموعات الخاصة وحمايتها، بما يضمن عدم فقدان مصادر تاريخية قد تكون فريدة أو غير متوافرة في أي مكان آخر.وفي هذا السياق، تبرز ضرورة ربط الأرشيف بالتعليم والبحث العلمي والإنتاج المعرفي والإعلامي، حتى لا تبقى الوثائق محفوظة في المستودعات أو قواعد البيانات دون أن تتحول إلى معرفة متاحة تسهم في فهم التاريخ وتعزيز الهوية الوطنية.إن الاحتفال بيوم الوثيقة العربية لعام 2026، بتخصيصه للأرشيف الوطني الفلسطيني، يمثل محطة مهمة لتعزيز حضور القضية الفلسطينية في المجال الأرشيفي العربي والدولي، وتأكيد أن حماية الذاكرة جزء لا يتجزأ من حماية التراث والهوية والحقوق التاريخية.لكن الأهمية الحقيقية لهذه المناسبة ستظل مرتبطة بما يمكن أن ينتج عنها من خطوات عملية، وبرامج تعاون، ومشروعات حفظ ورقمنة، وجهود لاستعادة الأرشيفات المفقودة والمشتتة، وبناء منظومة مستدامة تضمن حماية الوثيقة الفلسطينية وإتاحتها.فالأرشيف ليس مجرد سجل للماضي، بل هو مصدر للمعرفة، وأداة لصون الحقوق، ومرجع للأجيال في فهم تاريخها، وشاهد على استمرارية المجتمع وارتباطه بمكانه وتراثه.إن الانتقال من المحو إلى الحفظ يعني أن تتحول الوثيقة من مادة مهددة بالفقد إلى مصدر مصون للمعرفة، وأن تتحول الذاكرة من هدف للاستهداف إلى مسؤولية جماعية تحميها المؤسسات والأجيال. وستبقى الوثيقة الفلسطينية، بما تحمله من شواهد وحقائق، أمانة تاريخية تستوجب الحفظ والتوثيق والإتاحة، حتى تظل ذاكرة فلسطين حية، ويظل تاريخها حاضراً في وعي أبنائها وفي الذاكرة العربية والإنسانية.
سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)