لا يمكن تفكيك الظاهرة التي يمثلها موشيه فيجلين بالاستناد إلى أدوات التحليل الانتخابي البسيطة أو عبر اختزالها في شخصيّة سياسيّة عابرة فشلت مرارًا في تثبيت مقاعد دائمة داخل الكنيست. انّ المقاربة النقديّة الجادة تقتضي التعامل مع فيجلين بوصفه عرضًا مكثفًا لتحوّل بنيوي عميق يضرب صلب الفكرة الصهيونيّة إنه يجسّد لحظة الانتقال الحتمية من "الصّهيونية البراغماتية الدبلوماسيّة" التي قادها جيل التأسيس ومن تلاهم من نخب العمل والليكود، إلى "الصهيونية الإحلالية المكتملة" التي تتخلى طوعًا عن أقنعتها التوفيقيّة. لقد استندت إسرائيل لعقود على ركيزة ترويجيّة مفادها التوفيق المستحيل بين "الدولة اليهوديّة" و"الدولة الديمقراطيّة"، وهي ازدواجيّة وظيفيّة استخدمتها تل أبيب لمخاطبة الغرب وحماية مشروعها الاستيطاني تحت مظلّة القانون الدولي وقيم الحداثة الليبراليّة. غير أنّ المشروع الفيجليني (نسبة لفيجلين) أدرك مبكرًا العقم الوظيفي لهذه الثّنائيّة من وجهة النّظر الاستعماريّة الصّرفة فبالنسبة له، تشكّل المنظومة القضائيّة، وبيروقراطية الدّولة، والتوازنات الدبلوماسيّة، قيودًا تعيق اكتمال السّيادة التوراتيّة. ومن هنا، انطلقت أطروحته لتعلن موت "اسرائيل الغربية" لصالح بعث "مملكة اسرائيل التوراتيّة"، حيث تصبح الهوية والمطلق الديني هما المرجعيّة الوحيدة، وتغدو مؤسّسات الدّولة أدوات خادمة لفعل الاستيطان بدلًا من أن تكون سلطة منظّمة له.
تكمن الخطورة التّحليلية الأكثر تركيبًا في فكر فيجلين في ذلك التحالف الهجين والفريد الذي نسجه بين الثيوقراطيّة اليهوديّة المتطرّفة والليبرتارية الاقتصاديّة المستعارة من مدرسة شيكاغو واليمين الأمريكي المتطرّف. لم يكن تبني فيجلين لاقتصاد السّوق الحر، والدعوة إلى تفكيك القطاع العام، وخصخصة التعليم، وإلغاء القيود على الأسلحة وحيازة الأراضي، وتشريع الماريجوانا، مجرد نزوة شعبويّة لاصطياد أصوات الشباب والعلمانيين في مدن الساحل كيافا وتل أبيب بل كان ذلك تدشيناً لفلسفة استعماريّة جديدة تعيد استنساخ أسطورة "رجل التخوم" الأمريكي . في هذه الفلسفة، يُنظر إلى كوابح الدّولة المركزيّة وجيشها البيروقراطي على أنها عوائق تكبّل المبادرة الفرديّة للمستوطن. وبناءً عليه، فإنّ تحرير السّوق وتفكيك مؤسّسات الدّولة يعني عمليًّا تحرير طاقة المستوطن المسلّح ليتحوّل إلى فاعل استعماري مطلق لا تقيّده قوانين دوليّة ولا محاكم عليا، مستوطن يستولي على التلال، ويقيم البؤر الرّعويّة، ويصفّي الوجود الفلسطيني بالقوّة المباشرة، معتبرًا هذا الاقتلاع تجسيدًا لحريّته الفرديّة وازدهاره الاقتصادي الخاص. هذا المزيج نجح في نزع صفة "التزمّت الديني" التقليديّة عن المشروع الاستيطاني، وحوّله إلى أسلوب حياة تمرّدي جذاب يخاطب قطاعات من الجيل الجديد تبحث عن التحرّر الفردي وكسر احتكارات الدّولة، دون أن تدرك أنها تمارس أبشع أشكال الفاشيّة الاستعماريّة بعد اعادة تدويرها وتسويقها كحريّة شخصيّة.
في قلب هذا البناء الفكري المتشابك، تقف القدس والمسجد الأقصى بوصفهما المركز الجيوسياسي والروحي الذي يُعرّف نجاح أو فشل المشروع الصّهيوني بأكمله. لا يتعامل فيجلين مع القدس باعتبارها ملفًا تفاوضيًّا معقّدًا، ولا حتى كعاصمة اداريّة تحتاج إلى حلول براغماتيّة للتقاسم أو ادارة السّكان، بل يعتبر أنّ أزمة المشروع الصّهيوني الأخلاقيّة والنّفسيّة بدأت في اللّحظة التي تراجع فيها موشيه ديان عام 1967 عن فرض السّيادة الدّينيّة الكاملة على الأقصى وأبقى على ادارة الأوقاف الإسلامية. في المخيال الفيجليني، تظل السّيادة منقوصة ومزيّفة ما دام هذا "الفراغ الرّوحي" قائمًا وبالتالي، فإنّ مشروعه يضع تفكيك الوضع القائم في المسجد الأقصى، وانهاء الوصاية الأردنيّة، وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه، كشرط وجودي لاكتمال النّصر القومي. وبذلك ينقل فيجلين الصّراع من كونه نزاعًا سياسيًّا حول رقعة جغرافيّة إلى حرب مقدّسة محتومة، تُجرّد الطّرف الفلسطيني من أي بعد تاريخي أو وطني، وتحيله إلى طارئ ديموغرافي على أرض "الميعاد"، يتوجّب التعامل معه امّا بالإخضاع الكامل عبر نظام فصل عنصري مقنن يحرم من يرضى بالبقاء من أي حق للمواطنة، أو بالتّهجير المالي الصّامت عبر اغراءات الشّراء والدفع خارج الحدود، أو بالإبادة العسكريّة المباشرة لكل من يبدي مقاومة أو تشبثًّا بالهُويّة الوطنيّة.
إنّ الفاعليّة السّياسيّة لفيجلين لا تُقاس بقدرته على تشكيل حكومة، بل بدوره التاريخي كـ "كاسحة ألغام أيديولوجية" أزاحت ما يُعرف في علم الاجتماع السّياسي بـ "نافذة أوفرتون" أي نطاق الأفكار المقبولة في النقاش العام. ما كان يُطرح في مطلع الألفية داخل أروقة الليكود عبر حركة "مانهيغوت يهوديت" (القيادة اليهودية) بزعامته، ويُقابل آنذاك بالسخرية أو الاستهجان باعتباره تطرفًا فاشيًّا شاذًا يهدّد صورة اسرائيل الدّوليّة، صار اليوم هو النّص التّأسيسي والبرنامج التنفيذي الذي تحكم به المؤسسة الرسميّة الإسرائيلية. إن ما يطبقه سموتريتش وبن غفير اليوم في الضفة الغربية والقدس من ضم فعلي صامت، وتفكيك الإدارة المدنيّة، وتسليح عشرات الآلاف من المستوطنين ليتحولوا إلى ميليشيات رسمية، وتشديد الخناق على حياة الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة ليس إلا "الفيجلينية" وقد نزلت من فضاء التّنظير الطوباوي إلى واقع التّنفيذ الإداري والقانوني بمباركة الدّولة وأجهزتها. لقد نجح فيجلين وتيّاره في حسم المعركة الفكريّة داخل اسرائيل، واسقاط خيار "ادارة الصّراع" الى غير رجعة، واستبدالها بعقيدة "الحسم النّهائي" التي لا ترى في الوجود الفلسطيني شريكًا للتّفاوض أو حتى موضوعًا للتّسوية الوظيفيّة، بل عقبة يجب استئصالها.
يتجلّى هذا المسار التراكمي في ذروته السّياسيّة والعملياتيّة خلال انتخابات الكنيست (2026)، حيث لم تعد الظّاهرة الفيجلينية مجرّد تيار فكري يمارس الازاحة من الهامش، بل تحوّلت إلى فاعل مؤسّسي مباشر بعد ابرام التّحالف الانتخابي في قائمة مشتركة تجمع حزبي «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش و«زيهوت» بزعامة موشيه فيجلين. إن هذا التحالف ليس مجرد مناورة تكتيكية تمليها حسابات اجتياز نسبة الحسم أو ترميم تصدّعات معسكر اليمين، بل هو في جوهره الاندماج الأيديولوجي الأوضح بين قطبي المشروع الإحلالي المستحدث: "العقل التنفيذي والبيروقراطي لسموتريتش" الذي راكم أدوات الهيمنة الإدارية وتفكيك الإدارة المدنية داخل وزارتي المالية والجيش، و"الراديكالية الليبرتارية-المسيحانية لفيجلين" القادرة على اختراق شرائح شبابيّة وعلمانيّة خارج النّطاق التّقليدي لـ«الكيباه المنسوجة». انّ مساهمة فيجلين في المشهد الرّاهن تمنح برنامج "الحسم" غطاءً حداثيًّا وتمرّديًّا يرفع الحرج عن فكرة التّهجير القسري ونفي الوجود الفلسطيني، لتصبح معركة 2026 بمثابة الاستفتاء النّهائي على شرعنة ابادة الكيانيّة الفلسطينيّة، والانتقال من مرحلة ترسيخ الأبارتهايد كواقع أمر واقع إلى مأسسته كعقيدة حكم علنيّة تديرها الدّولة بكل ثقلها المؤسّسي والميليشياوي.
هنا تحديدًا تصبح القراءة الفلسطينيّة المقابلة ملحمة من التّحدي الوجودي، ومساءلة جذريّة تكشف حجم الانكشاف الاستراتيجي الذي تعيشه الحركة الوطنيّة. انّ التّهديد الذي يمثّله هذا النمط من التّفكير الاستعماري لا يكمن فقط في عدوانيّته، بل في كونه يواجه فراغًا بنيويًّا وتكلّسًّا سياسيًّا في الجبهة الفلسطينيّة. لقد استمرت المنظومة الرّسميّة والفصائليّة والحزبيّة عقود في التعامل مع المشروع الصهيوني وفق قوالب بالية، متوهّمة امكانية الوصول إلى تسوية مع يمين "عقلاني" أو مراهنة على ضغوط مجتمع دولي يثبت كل يوم عجزه وتواطؤه. والأسوأ من ذلك هو الغرق الفلسطيني في مستنقع "معارك التّمثيل"، حيث استُنزفت الطاقات الحيّة للشّعب الفلسطيني في التنافس على شرعيّات تمثيليّة مفرغة من محتواها النّضالي.
التعليقات (0)