في الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أخطر مراحل تاريخه بين حرب الإبادة والتدمير في قطاع غزة وتصاعد الاعتداءات والاستيطان في الضفة الغربية وتهويد القدس واستهداف مقدساتها الإسلامية والمسيحية واستمرار معاناة اللاجئين في مخيمات الشتات منذ 78 عاماً ما تزال القضية الفلسطينية تدفع أثماناً باهظة نتيجة استمرار الانقسام الداخلي وتعثر استعادة الوحدة الوطنية، وبينما تتكثف الجهود واللقاءات بين الفصائل الفلسطينية لإنهاء الانقسام الذي وقع عام 2007، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله، هل نحن أمام حوار وطني جاد يهدف إلى استعادة وحدة الشعب والأرض والمؤسسات، أم أمام جولات جديدة من الحوارات التي تنتهي إلى بيانات وتفاهمات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، فتتحول عملياً إلى وسيلة لإطالة أمد الانقسام؟ لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار الانقسام لم يقتصر ضرره على تعطيل المؤسسات الوطنية وإضعاف الموقف السياسي الفلسطيني، بل امتدت آثاره إلى النسيج الاجتماعي، وأحدث شرخاً في العلاقات بين العائلات والعشائر والأبناء، وأضعف ثقة المواطنين بقدرة الفصائل على تجاوز خلافاتها وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات التنظيمية، وفي المقابل استغلت حكومة الاحتلال هذا الواقع لتعميق سياساتها الاستيطانية، وفرض الوقائع على الأرض، ومحاولة تقويض المشروع الوطني الفلسطيني وإجهاض إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة
الوحدة الوطنية سلاحنا الأقوى:
إن الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات واللقاءات، ولا اتفاقاً مؤقتاً تفرضه الظروف ثم تتراجع عنه الأطراف عند أول خلاف، بل هي ضرورة وطنية واستراتيجية لا غنى عنها لمواجهة المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتهجير أبناء شعبنا، وتكريس الاحتلال والاستيطان، فلا يمكن مواجهة هذه التحديات بمواقف متفرقة ومرجعيات متنازعة، ولا يمكن استعادة ثقة شعبنا ومكانته أمام العالم في ظل استمرار الانقسام. إن قوة الموقف الفلسطيني تنبع من وحدة القرار الوطني، وتماسك المؤسسات، والاتفاق على برنامج سياسي وطني يحمي الحقوق والثوابت، ويستند إلى إرادة الشعب الفلسطيني وتطلعاته في الحرية والاستقلال والعودة.
التنازل لمصلحة الوطن لا يعني التنازل عن الثوابت:
إن نجاح أي حوار وطني يتطلب من جميع الفصائل الفلسطينية التحلي بالمسؤولية والمرونة، والابتعاد عن الحسابات الفئوية والمصالح التنظيمية الضيقة، وعدم التشبث بمطالب أو شروط تعجيزية تعرقل الوصول إلى اتفاق. فالمطلوب ليس أن ينتصر فصيل على آخر، بل أن تنتصر فلسطين على الانقسام، وأن تتقدم مصلحة الشعب على مصلحة التنظيم، وعلى الجميع أن يدرك أن التوافق الوطني لا يتحقق بفرض الشروط أو تبادل الاتهامات، وإنما بتقديم التنازلات المتبادلة في القضايا الإجرائية والتنظيمية التي تعيق الاتفاق، مع التمسك بالثوابت والحقوق الوطنية، فالتنازل لمصلحة الوطن ليس ضعفاً، بل تعبير عن النضج السياسي والشعور بالمسؤولية التاريخية تجاه شعب يواجه القتل والتدمير والتهجير، وينتظر من قياداته وفصائله أن ترتقي إلى مستوى تضحياته، كما أن المطلوب هو الانتقال من مرحلة الحوارات المفتوحة والوعود المتكررة إلى خطوات عملية واضحة، بجدول زمني محدد وآليات تنفيذ وضمانات تمنع العودة إلى المربع الأول. فالشعب الفلسطيني لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار، ولا يحتاج إلى اتفاق جديد يضاف إلى الاتفاقات السابقة من دون تطبيق.
إنهاء الانقسام مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل:
التعليقات (0)