الخميس 22 أكتوبر 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس
تكشف التحولات التي شهدها الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي عقب السابع من أكتوبر 2023 عن انزياحات أيديولوجية خطيرة تتجاوز حدود التعبئة الحربية، لتمتد إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية ومحددات استخدام القوة واتجاهات صنع القرار. وفي هذا السياق تبرز المقابلة المطوّلة التي أجرتها صحيفة "هآرتس" بتاريخ 3 أكتوبر 2026 مع البروفيسورة الإسرائيلية "جيلي كوجلر" المتخصصة في الدراسات التوراتية بجامعة حيفا، بوصفها مدخلاً لفهم تنامي حضور السردية التوراتية في صياغة التصورات السياسية والعسكرية الإسرائيلية. وتتمحور الإشكالية حول مدى انتقال هذه السردية من إطار رمزي يستحضر الذاكرة التاريخية والهوية القومية إلى مرجعية أيديولوجية تؤثر في تعريف العدو، وتبرير الإبادة والانتقام والدمار الشامل، بما ينعكس على طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وآفاقه المستقبلية.ارتبط توظيف النصوص التوراتية في المشروع الصهيوني التقليدي ببناء هوية قومية تستند إلى الارتباط التاريخي بالأرض، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني تفسيراته الدينية الحرفية. إلا أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023 وحرب الإبادة على غزة وكافة الأراضي الفلسطينية المستهدفة، أسهمت في تعزيز حضور الخطاب القومي الديني الذي يوظف بعض الروايات التوراتية في تفسير الصراع وتبرير السياسات العسكرية. ويعكس هذا التحول انتقالاً من توظيف الدين في التعبئة الرمزية إلى استخدامه في إنتاج تصورات سياسية وأخلاقية عن الحرب والعدو والأرض، بما قد يؤدي إلى إضفاء طابع وجودي مطلق على الصراع وتهميش أبعاده السياسية والقانونية المرتبطة بالاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.
ويتداخل في تفسير هذا المسار عدد من العوامل، أبرزها تصاعد نفوذ اليمين القومي الديني، وتراجع قدرة التيارات العلمانية والوسطية على تقديم بدائل سياسية وفكرية متماسكة، إلى جانب دور المؤسسات التعليمية والعسكرية والإعلامية في نشر هذه التصورات وترسيخها مجتمعياً. ويمكن فهم هذه الظاهرة من خلال مقارنتها بصعود اليمين المتطرف في دول غربية مثل فرنسا، حيث انتقلت الكتب السياسية المرتبطة بهذا التيار من منشورات محدودة تستهدف النخب إلى منتجات ثقافية واسعة الانتشار، مستفيدةً من دور النشر الكبرى ووسائل الإعلام وشبكات التوزيع. ويبرز في هذا السياق نجاح مؤلفات شخصيات مثل "سارة كنّافو" و"جوردان بارديلا" و"إريك زيمور" التي تستند إلى جانب مضمونها السياسي إلى خطاب عاطفي يوظف سرديات الخيانة وفقدان الهوية والخوف من الهجرة وتراجع الأمن، ويصور المجتمع ضحيةً للنخب، فيما يقدم الزعيم بوصفه منقذاً قادراً على استعادة مكانة الأمة وحماية هويتها. وتوضح هذه التجربة أن الكتاب السياسي لم يعد مجرد وسيلة لعرض الأفكار والبرامج، بل أصبح أداة للتأثير في الوعي الجماعي وإعادة تشكيل الهويات السياسية والثقافية. ومن هذا المنظور تساعد المقارنة مع الحالة الإسرائيلية على فهم كيفية انتقال السرديات القومية والدينية من أوساط محدودة إلى الخطاب العام ومراكز التأثير وصناعة القرار، مع مراعاة خصوصية السياق الإسرائيلي، حيث يتداخل هذا الخطاب مع قضايا الاحتلال والاستيطان والصراع على الأرض والحقوق الفلسطينية، بما يمنحه أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز المجال الثقافي والإعلامي.وتنعكس هذه التحولات على إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ يؤدي تأطير الأرض والعدو ضمن تصورات دينية مغلقة إلى تقليص فرص التسوية وتعزيز منطق المواجهة الصفرية. كما يوفر هذا الخطاب غطاءً أيديولوجياً لتبرير الإبادة والتهجير والعقاب الجماعي. وعلى المستوى الداخلي الإسرائيلي يمكن أن يؤدي تنامي نفوذ التيار القومي الديني إلى تعميق الانقسام بين أنصار الدولة المدنية والقوى الساعية إلى تعزيز طابعها الديني، بما ينعكس على تماسك المجتمع واستقلالية المؤسسات. أما دولياً فإن تصاعد الخطابات المتشددة قد يزيد من الضغوط الدبلوماسية والقانونية على إسرائيل، ويضعف قدرتها على الحفاظ على صورتها لدى حلفائها.وفي ضوء هذه المعطيات، تتحدد المسارات المستقبلية بين استمرار مأسسة الخطاب التوراتي، وحدوث مراجعة داخلية بفعل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتزايد العزلة الدولية، أو تصاعد الضغوط القانونية والدبلوماسية التي تدفع نحو تعديل الخطاب دون تغيير جوهر التوجهات السياسية. ويظل ترجيح أي من هذه المسارات مرتبطاً بتوازنات القوى داخل إسرائيل، ومآلات الصراع، ومواقف القوى الدولية.وعليه، تبرز ضرورة بناء منظومة بحثية ورقابية متخصصة لرصد الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي، وتوثيق توظيف المرجعيات التوراتية في تبرير الاحتلال والاستيطان والعدوان على الشعب الفلسطيني، وتحليل مضامينه في ضوء قواعد القانون الدولي وتجارب صعود اليمين المتطرف. كما تقتضي المواجهة الاستراتيجية الاستفادة من الأصوات النقدية داخل المجتمع الإسرائيلي لكشف مخاطر تغلغل الأيديولوجيا القومية الدينية في المؤسسات الإسرائيلية وصناعة القرار.إن تحويل السردية التوراتية إلى أداة لتبرير السيطرة على الأرض الفلسطينية وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لا يمثل مجرد انحراف في الخطاب السياسي، بل يشكل تحدياً مباشراً لأسس العدالة والقانون الدولي، ويهدد بإدامة الاحتلال وتوسيع دائرة العنف وتقويض أي أفق لسلام عادل وشامل. وقد أفضت عملية السابع من أكتوبر 2023 إلى تداعيات كارثية على الشعب الفلسطيني في ظل استغلال إسرائيل لهذه الأحداث لشن حرب إبادة مدمرة على قطاع غزة، وتصعيد سياسات الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، وتعميق منظومة السيطرة والإقصاء بحق الفلسطينيين. ويعيد هذا الواقع طرح سؤال جوهري بشأن جدوى استراتيجيات المواجهة الفلسطينية في ضوء المقارنة بين الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اعتمدت بدرجة كبيرة على المقاومة الشعبية وأشكال العصيان المدني وأسهمت في نقل القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي وتهيئة الظروف لمسار تفاوضي، وبين تجارب المواجهة المسلحة اللاحقة التي تزامنت مع تصاعد نفوذ اليمين الإسرائيلي وتكريس سياسات أكثر تشدداً وخلّفت خسائر بشرية وسياسية فادحة في الجانب الفلسطيني.ولا يعني الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال المكفول في إطار القانون الدولي أن الكفاح المسلح يمثل بالضرورة الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق الحرية وتقرير المصير. حيث تقتضي التحولات الراهنة إعادة تقييم أدوات النضال بما يحقق أكبر قدر من التأثير السياسي والشعبي والدولي، ويحد من قدرة إسرائيل على مواصلة سياساتها التوسعية وتعزيز سرديتها الأمنية. ومن هنا تبرز أهمية تجديد المقاومة الشعبية وتوحيد الصف الفلسطيني على أساس استراتيجية وطنية جامعة، وتعزيز الصمود في مواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير، وتوسيع دوائر التضامن الدولي.تكتسب حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات إلى جانب تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة القانونية والضغط الدبلوماسي والاقتصادي أهمية خاصة بوصفها أدوات يمكن توظيفها لرفع كلفة الاحتلال والاستيطان والانتهاكات وتعزيز الالتزام بالقانون الدولي. فمواجهة توظيف النصوص التوراتية لتكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية لا تقتصر على تفكيك مرتكزاته الأيديولوجية، بل تستلزم أيضاً بناء استراتيجية فلسطينية قادرة على تحويل الدعم الأخلاقي والتضامن الدولي إلى ضغط سياسي وقانوني مستدام، يحمي الحقوق الوطنية الفلسطينية ويعزز فرص إنهاء الاحتلال.وعليه فإن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في رصد تنامي الخطاب القومي الديني داخل إسرائيل، بل في منع تحوله إلى مرجعية حاكمة للسياسات العسكرية والاستيطانية، وفي تطوير مقاربة فلسطينية تجمع بين الصمود والمقاومة الشعبية والعمل القانوني والدبلوماسي والتضامن الدولي. وتظل حرية الشعب الفلسطيني وتقرير مصيره وإنهاء الاحتلال المعيار الأساسي لأي تسوية عادلة، فيما يمثل إخضاع السياسات الإسرائيلية للمساءلة ورفض الإفلات من العقاب وإعادة الاعتبار إلى القانون الدولي بوصفه مرجعية ملزمة شروطاً ضرورية لكسر مفاعيل الإبادة وفتح أفق سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، ويحول دون استمرار توظيف الدين والتاريخ لتبرير الهيمنة والإقصاء.
سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
التعليقات (0)