لم تكن الثقافة الفلسطينية، في مراحل ازدهارها، مجرد إنتاج أدبي أو نشاط فني أو حضور في الأمسيات والندوات، بل كانت جزءاً من معركة الوعي الوطني، ووسيلة للدفاع عن الوجود والهوية والذاكرة، ومجالاً لطرح الأسئلة الكبرى حول الحرية والمنفى والوطن والعدالة والإنسان، وكان للمشهد الثقافي بريقه الخاص، وللكلمة مكانتها، وللكاتب والشاعر والمفكر حضور يتجاوز ما ينتجونه إلى ما يمثلونه في الوعي العام، ولم يكن المثقف بالضرورة صاحب سلطة أو مال، لكنه كان يمتلك قدرة على التأثير، وإثارة الأسئلة، وصناعة المعنى، ومقاومة الرداءة.
فأين ذهب ذلك البريق؟ وهل نحن أمام تراجع عابر، أم أن الثقافة الفلسطينية تعيش أزمة أعمق تمس بنيتها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع؟ ثم كيف تبدلت مكانة المثقف، وما الذي أصاب المعايير التي تحدد من يستحق أن يكون في موقع النخبة الثقافية؟
ليس من الإنصاف القول إن الثقافة الفلسطينية انهارت كلياً، أو إن الحاضر خلا من المبدعين والمجتهدين وأصحاب المشاريع الفكرية والإبداعية، فما زالت هناك تجارب شعرية وروائية ونقدية وفنية جديرة بالاهتمام، وما زال الفلسطيني ينتج ثقافته تحت الاحتلال والحصار والتهجير، وفي ظروف مادية ومؤسسية قاسية، غير أن استمرار الإبداع الفردي لا ينفي وجود أزمة في المشهد العام، تتجلى في ضعف النقد، وتراجع القراءة، وانحسار النقاش الفكري، واختلال العلاقة بين القيمة الإبداعية والاعتراف العام.
إن التمييز بين الإنتاج الثقافي والمشهد الثقافي ضروري لفهم طبيعة الأزمة؛ فقد يستمر المبدعون في الكتابة والإنتاج، بينما تتراجع المؤسسات والفضاءات القادرة على احتضان أعمالهم، وتقديمها للجمهور، وإخضاعها للنقاش والتقييم، ومن هنا، لا يتعلق السؤال بوجود الثقافة الفلسطينية من عدمه، بل بقدرتها على التأثير والتجدد وصناعة حضور يتناسب مع طاقاتها الإبداعية.
لقد تغيّرت الشروط التي تشكّل في ظلها المشهد الثقافي الفلسطيني، فقد كانت القصيدة والرواية والمقالة الفكرية والكتاب والمجلة الثقافية والندوة فضاءات أساسية لتكوين الوعي العام، وكانت الأسماء تتقدم عبر تراكم التجربة والاشتباك مع قضايا المجتمع، أما اليوم، فقد تراجعت بعض هذه الفضاءات، وضعفت مؤسسات النشر والتوزيع، وانكمشت منابر ثقافية جادة، فيما بات الحضور العام يتأثر، بدرجات متفاوتة، بمنطق السرعة والانتشار والتفاعل الرقمي، ولم تعد القيمة المعرفية وحدها كافية لضمان الوصول إلى الجمهور، كما لم يعد الانتشار دليلاً على القيمة؛ فقد يحظى محتوى سطحي بانتشار واسع، بينما تمر دراسة عميقة أو تجربة إبداعية مهمة من دون نقاش يوازي أهميتها.
ومع ذلك، لا يصح تحميل التكنولوجيا مسؤولية التراجع، فهي أداة يمكن أن توسع المجال الثقافي وتتيح فرصاً جديدة للنشر والتواصل، وتكمن المشكلة في كيفية توظيفها، وفي قدرة المؤسسات والمثقفين على تطوير أدواتهم، وفي استعدادهم لمواجهة ثقافة الاستهلاك السريع بالمعرفة والبحث والإنتاج الجاد.
التعليقات (0)