f 𝕏 W

القطاع الزراعي الفلسطيني: بين انكماش الأرقام وصمود المزارعين في الميدان

جريدة القدس

سياسة منذ 51 دق 0 7 د قراءة
زيارة المصدر ←


القطاع الزراعي الفلسطيني: بين انكماش الأرقام وصمود المزارعين في الميدان

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تشير إحصائيات فلسطينية إلى انكماش حاد في المساحة المزروعة بالقطاع الزراعي الفلسطيني بنسبة تقارب 40% بين عامي 1993 و2021، مع تراجع ملحوظ في مساحات الأشجار المثمرة والزراعة البعلية. وتُعزى هذه التحديات إلى سياسات تقسيم الأراضي، وإنشاء الطرق الالتفافية، وتوسيع المستوطنات، وجدار الفصل العنصري، بالإضافة إلى إغلاق مساحات واسعة لأغراض التدريب العسكري، مما يؤثر سلباً على الإنتاجية والاقتصاد الفلسطيني.
أبرز النقاط

الأربعاء 21 أكتوبر 2026 9:10 صباحًا - بتوقيت القدس

لم تكن الأرض في فلسطين يوماً مجرد مساحة جغرافية أو مصدراً للرزق فحسب، بل هي جوهر الرواية والقضية الفلسطينية، وركن الوجود الصامد على مر التاريخ. ولقد كانت وما زالت المستهدف الأول لسياسات التضييق والاقتلاع التي تسعى لفك ارتباط الفلسطيني بترابه. وحين ننظر اليوم إلى واقع الحيز الزراعي، نلاحظ تحولاً خطيراً يمس العصب الحيوي للصمود؛ إذ تظهر الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فارقاً صادماً بين عامي 1993 و2021. فقد انكمشت المساحة المزروعة من نحو 1.83 مليون دونم عام 1993 إلى حوالي 1.10 مليون دونم في عام 2021، بانخفاض حاد يقدر بـ 730 ألف دونم، أي ما يعادل تراجعاً يقارب الـ 40% من الأراضي الزراعية.إن هذا التراجع ليس مجرد أرقام صماء في تقارير إحصائية، بل هو نزيف في شريان الهوية والسيادة الوطنية، وشهادة على عملية إعادة تشكيل قسرية لبنية القطاع الزراعي. فحسب تقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ورغم زيادة المساحة المزروعة بالخضروات بنسبة 5.5% بين عامي 1993 و2021، فإن المساحة المزروعة بالأشجار المثمرة — وفي مقدمتها الزيتون التي تجسد التراث والذاكرة الوطنية — شهدت تراجعاً حاداً بنسبة 41.5%، بينما تراجعت مساحة الزراعة البعلية المحلية الأصيلة بنسبة 53.2%.

إعادة تشكيل الحيز الزراعي وسياسات تقسيم الأرضلا تقف المعركة الممنهجة ضد القطاع الزراعي الفلسطيني عند حدود انخفاض المساحة الكلية، بل تمتد إلى تفكيك الحيز المكاني وتقطيع أوصال الجغرافيا، بهدف قطع ارتباط الإنسان بأرضه. ويتجسد ذلك عبر حزمة من الأدوات الاستعمارية المتكاملة: تقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، جـ)، وشق الطرق الالتفافية، وتوسيع المستوطنات والبؤر الرعوية، وتشييد جدار الفصل العنصري، وإقامة معسكرات التدريب العسكري والمناطق المعزولة المكبلة بالقيود.وتغطي المنطقة المسماة بـ«جـ» وحدها أكثر من 61% من مساحة الضفة الغربية، وتضم — وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) — نحو 63% من الموارد الزراعية. غير أن الاحتكار التعسفي للتخطيط وتنظيم استخدام الأراضي هناك يُبقي المزارع في مواجهة يومية صعبة، تمنعه من إقامة المنشآت الزراعية، وتطوير البنية التحتية للمياه، واستصلاح الأراضي.وفي هذا المشهد، تكمن خطورة المشروعات الاستيطانية في آثارها المضاعفة؛ فعلى سبيل المثال، شق طريق التفافي ضيق قد يستحوذ على مساحة محدودة، لكنه يفرض حصاراً ويحرم الوصول إلى آلاف الدونمات المحيطة به. ففي عام 2019، أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن مشروع طريق التفافي قرب الخليل أدى إلى مصادرة 400 دونم لتنفيذه، في حين قدّرت وزارة الزراعة والبلديات المتضررة أن هذا المشروع وحده كفيل باقتلاع نحو 33 ألف شجرة مثمرة وعزل ما يصل إلى 5 آلاف دونم من أخصب الأراضي الزراعية.تداعيات الاحتلال والقيود الميدانيةيأتي تصنيف مساحات شاسعة كمناطق للتدريب العسكري بالذخيرة الحية ليشكّل قيداً إضافياً يمنع الفلسطينيين من الإقامة أو الرعي أو الفلاحة؛ إذ تشير بيانات (أوتشا) إلى أن نحو 18% من مساحة الضفة الغربية أُغلقت تحت هذا المسمى، مما يحرم الشعب الفلسطيني من استغلالها. وتتوازى هذه القيود مع الضغوط الكبيرة التي تفرضها البؤر الاستيطانية والرعوية المتمددة؛ إذ تُوثّق دراسة (أبو السعود وآخرون، 2026) — نقلاً عن تقارير "السلام الآن" و"كيرم نافوت" — أن شبكة البؤر الرعوية سيطرت على أكثر من 786 ألف دونم، وهو ما يعادل 14% من مساحة الضفة (مساحة تتجاوز إجمالي ما تسيطر عليه جميع المستوطنات التقليدية المبنية). وتكمن خطورة هذه البؤر في كونها آلية "سريعة وفعالة" للسيطرة على الإراضي الفلسطينية، إذ تعتمد على الإجبار بالقوة والترهيب والاستيلاء عبر الرعي، بدلاً من التمدد العمراني البطيء.أما جدار الفصل العنصري، فيقف عائقاً يفصل المزارع عن شجرته ويغتال حقه في قطف ثمار غرسه؛ فوفقاً للمسار الذي عرضه مكتب (أوتشا) عام 2013، يقع نحو 85% من مسار الجدار عميقاً داخل الضفة الغربية، ومع اكتماله، ستُعزل 9.4% من مساحتها بين الجدار والخط الأخضر، محرماً نحو 150 تجمعاً فلسطينياً من الوصول السلس إلى أراضيهم.مؤشرات قياسية تعكس وطأة القيودتكشف أحدث التقارير وأوراق الحقائق الصادرة عن (أوتشا) عن مستويات قياسية من القيود:• ارتفاع عوائق الحركة (925 عائقاً): وثّقت (أوتشا) في تحديثها لعام 2026 وجود 925 عائقاً وحاجزاً عسكرياً (بما يشمل البوابات الحديدية، والحواجز المأهولة، والسواتر الترابية، والمكعبات الإسمنتية)، وهو أعلى رقم يُسجّل منذ عقدين (بزيادة 43% عن المتوسط السنوي للسنوات العشرين الماضية).• استهداف المزارع والمراعي: تُشكل البوابات والحواجز نحو 60% من إجمالي هذه العوائق، وتستهدف أكثر من 20% منها بشكل مباشر منع أو تقييد وصول المزارعين والرعاة إلى أراضيهم.• تهجير التجمعات السكانية: تُوثّق التقارير الحديثة تهجير 45 تجمعاً فلسطينياً بالكامل في الضفة الغربية منذ يناير 2023 وحتى عام 2026، جراء هجمات المستوطنين، وتمدد البؤر الرعوية، وقطع الطرق، وحرمانهم من مصادر المياه.وتحت وطأة نظام التصاريح والقيود الصارمة المفروضة على البوابات الزراعية، انخفضت نسبة الموافقة على طلبات تصاريح أصحاب الأراضي من 76% عام 2014 إلى 28% فقط عام 2018. وفي كانون الأول/ديسمبر 2018، اقتصر فتح 55 بوابة من أصل 77 على أسابيع معدودة خلال موسم قطف الزيتون، مقابل 13 بوابة فقط تُفتح بشكل يومي. وقد انعكس هذا الحرمان الموسمي بشكل كارثي على الإنتاجية؛ إذ أظهرت متابعات (أوتشا) أن إنتاجية أشجار الزيتون المعزولة خلف الجدار تقل بنسبة تتراوح بين 55% و65% مقارنة بالأشجار التي يتسنى لأصحابها الوصول إليها ورعايتها طوال العام.قراءة في المؤشرات الإقليميةتظهر بيانات البنك الدولي تحولاً هيكلياً في مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني؛ ففي عام 1995، شكلت الزراعة والحراج وصيد الأسماك 11.8% من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مقابل 2.1% في إسرائيل و3.7% في الأردن. ومع حلول عام 2021، انخفضت هذه النسب لتصل إلى 6.3% في فلسطين، و1.3% في إسرائيل، و4.8% في الأردن.وعلى صعيد التشغيل، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى تراجع حصة الزراعة من إجمالي العمالة بين العامين المذكورين من 13.9% إلى 6.8% في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن 2.4% إلى 0.8% في إسرائيل، ومن 4.4% إلى 3.3% في الأردن.وإذا كانت الأرقام تشير إلى بقاء نسبة طفيفة من المساهمة في التشغيل والناتج مقارنة بالجوار، فإن ذلك لا يعكس تفوقاً أو نمواً طبيعياً، بل يترجم حالة انكماش حادة في القطاعات الاقتصادية البديلة، والاعتماد القسري على الزراعة كملاذ أخير للعيش في ظل غياب التنمية. بل إن هذا الواقع يكشف عن تفاوت واضح في الإنتاجية؛ إذ أشارت دراسة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن متوسط الإنتاجية الزراعية الفلسطينية للدونم الواحد لا يتجاوز نصف نظيره في الأردن، و43% من نظيره في إسرائيل، نتيجة مباشرة للقيود الخانقة المفروضة على الأراضي، وحرمان المزارعين من مدخلات الإنتاج وحرية الحركة وتصدير المنتجات.الخاتمة: معركة الأرض ورهان الأجيالإن انكماش المساحات الزراعية بنسبة 40% ليس مجرد تراجع في أرقام النمو الاقتصادي، بل هو تآكل في جغرافية الوجود، واستهدافٌ مباشر لجوهر القضية الوطنية. فالأرض لم تكن يوماً خياراً استثمارياً مجرداً، بل كانت ولا تزال جبهة الصراع، وحائط الصد الأخير في وجه سياسات التجريد والتهجير والاقتلاع.واليوم، وفي الوقت الذي يقف فيه المزارع الفلسطيني في خط المواجهة الأول متشبثاً بأرضه وغرسه تحت وطأة الترهيب والاعتداءات والتجريف، تتجلى حقيقة قاطعة لا تقبل التردد: وهي أن حماية القطاع الزراعي لم تعد مجرد خيار، بل هي واجبٌ نضالي يجب أن يتصدر أولويات الاستراتيجية الوطنية الشاملة.إن رهان المستقبل مرهون بقدرة الأجيال الشابة على ترسيخ جذورها عميقاً في هذه الأرض. غير أن هذا الرهان يقتضي توفير مقومات الصمود الحقيقي؛ عبر كسر قيود الاحتلال، ودعم الاستثمار المستدام في الاقتصاد الزراعي، وتأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم ومياههم، بالإضافة إلى توفير آليات حماية مؤسسية لهم، فالمعركة على الأرض هي معركة السيادة والكرامة، ولن تكون الزراعة في فلسطين مجرد مهنة للعيش، بل هي عنوان الحرية، ورمز الوجود، والأمانة الأغلى التي تتوارثها الأجيال.

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)