الأربعاء 21 أكتوبر 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس
بين ثنايا الأزمات العاصفة التي تتهدد القضية الفلسطينية، وتحديداً حرب الإبادة والتهجير المستمرة في قطاع غزة، بالتوازي مع تصاعد حاد في وتيرة الاستيطان وتغول التهويد في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، تطالعنا الأوساط الدبلوماسية الدولية بين الحين والآخر بطروحات ونماذج تاريخية مستوردة، تحاول تطويع الواقع الفلسطيني المعقد وتأطيره في قوالب جاهزة. وآخر هذه المحاولات تجسدت في التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، والتي دعا فيها إلى تبني "نموذج أيرلندا الشمالية" المستوحى من اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، كسبيل لإنهاء الصراع المرير وتخفيف حدة حرب الإبادة والكارثة في قطاع غزة. ورغم ما قد تحمله هذه التصريحات من بريق فكري ونظري في المحافل الأكاديمية، إلا أن إسقاطها الميداني والسياسي على الأرض الفلسطينية يصطدم بجدار سميك من التناقضات البنيوية والفوارق الجوهرية.إن قراءة متأنية في تفاصيل مقترح أوباما تكشف سريعاً أنه يفتقر إلى الجدية الإجرائية وآليات التنفيذ الواقعية؛ فالرجل يتحدث بصفته رئيساً أسبق يعكس عجز وإفلاس العقلية الدبلوماسية الليبرالية الأمريكية التي أدمنت "إدارة الصراعات" عبر قوالب أكاديمية منفصلة عن الواقع، بدلاً من حلها الجذري. بل إن أوباما نفسه يعترف بمحدودية تفاؤله، في محاولة تنصل مسبقة من مسؤولية فشل تنظيره في ظل التطرف الأيديولوجي السائد. يقوم هذا النموذج نظرياً على ركيزتين: تقاسم السلطة المحلية، وننزع السلاح التدريجي التبادلي، مقابل اعتراف متبادل بالحقوق الوجودية.
الخلل القاتل في مقاربة أوباما ينبع من تشخيص طبيعة الصراع ذاته؛ إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال المقارنة بين النموذجين الأيرلندي والفلسطيني. لقد كان الصراع في أيرلندا الشمالية صراعاً سياسياً قومياً ذا بعد عرقي وطائفي عميق، يتمحور حول الوضع الدستوري والسياسي لأيرلندا الشمالية والجهة التي تملك السيادة عليها، بين مواطنين يحملون الهوية الوطنية نفسها ويعيشون ضمن حدود دولة واحدة مستقرة ومعترف بها وهي المملكة المتحدة، ولذلك نجحت صيغة "الحكم المشترك والمواطنة المرنة".أما في الحالة الفلسطينية، فالقضية ليست نزاعاً أهلياً أو إثنياً على تقاسم برلمان محلي، بل هي قضية شعب يواجه نظاماً استعمارياً استيطانياً إحلالياً، يسعى لاقتلاع السكان الأصليين عبر حرب إبادة وتهجير معلنة. في أيرلندا الشمالية، لم تكن الهوية الوجودية للكاثوليك مهددة بالمحو الفيزيائي أو الطرد الجغرافي، بينما في فلسطين، يلتهم الاحتلال الأرض والإنسان معاً، مما يجعل صيغ "التعايش تحت مظلة القوة المهيمنة" مرادفاً لشرعنة التصفية التدريجية للقضية، بدلاً من الوصول إلى الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الوطنية.علاوة على ذلك، يتجلى في المشهد الفلسطيني اختلال هائل ومطلق في موازين القوة لصالح آلة الحرب الإسرائيلية، يرافقه غياب تام لـ "الوسيط النزيه"؛ فالولايات المتحدة التي رعت اتفاق بلفاست بمرونة الدبلوماسي في عهد كلينتون، تظهر في الملف الفلسطيني كشريك وحليف استراتيجي مطلق للاحتلال. كما أن التمدد السرطاني للمستوطنات وجدار الفصل العنصري حوّل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة وأشلاء جغرافية تلتهم أي أفق لدولة متصلة، بخلاف الحالة الأيرلندية التي تميزت بثبات الحدود الجغرافية والأراضي وتوفر الضمانات الإقليمية المشتركة.من منظور القانون الدولي، يتقاطع مقترح أوباما مع الشرعية الدولية في قشورها فقط، مثل الدعوة لوقف الاستيطان وتخفيف المعاناة الإنسانية، لكنه يتعارض معها في الجوهر والمرجعية؛ فالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، مثل القرار 242 والقرار 338، تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني، وينظر للأراضي الفلسطينية كأرض محتلة يجب الانسحاب الكامل منها لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. إن تحويل الصراع إلى صيغة أيرلندية يعني عملياً تمييع المرجعيات الدولية، واختزال حقوق شعبنا من "حركة تحرر وطني" إلى مجرد أقلية تبحث عن ترتيبات أمنية وإنسانية وحكم ذاتي منزوع السلاح والسيادة تحت مظلة القوة المهيمنة.يبدو مقترح أوباما مجرد واجهة بلاغية تعكس العجز الدولي عن إلزام إسرائيل بالانصياع لإرادة المجتمع الدولي. إن أي مسعى يتجاوز حل الدولتين الحقيقي والقرارات الأممية، ويتغافل عن حتمية إنهاء الاحتلال كشرط مسبق لأي سلام، لن يكون سوى إعادة تدوير للأزمة؛ فالسلام في فلسطين لا يمر عبر استنساخ تجارب الآخرين، بل عبر الالتزام الصارم بالعدالة والشرعية الدولية التي تضمن الحرية والعدالة والاستقلال.
أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)