هو سؤال مقلق يصعب طرحه من دون تردد: هل ما زال الفلسطينيون ينتجون فكرا سياسيا، أم أنهم يعيشون منذ عقود على رصيد راكمته أجيال سابقة؟ وليس المقصود بالفكر السياسي كثرة التصريحات والبيانات، بل ذلك التفكير الذي يعيد تعريف الواقع، ويمنح الناس لغة جديدة لفهمه، ويعيد صياغة الأسئلة الملحّة: من نحن؟ ماذا نريد؟ ما معنى التحرير؟ وما الذي يبقى من المشروع الوطني حين تتغير الأرض والناس والعالم؟.
ربما لا نعاني اليوم من نقص في الكلام السياسي، بل من فائض فيه. هل كثرته دليل على حياة الفكر؟ أم أننا نعيد ترتيب الكلمات التي ورثناها مثل التحرير، المقاومة، الدولة، التسوية، العودة، الشرعية، الوحدة الوطنية؟ وهل يكفي أن تبقى المفردة حاضرة لكي يبقى معناها حيا؟
في مرحلة سابقة، لم تكن فلسطين مجرد موضوع للسياسة، بل كانت مولّدة للأفكار. حولها نشأت مجلات ومراكز أبحاث، ودار نقاش حول الهزيمة والتحرر والمنفى والهوية. منذ قسطنطين زريق، الذي جعل من النكبة سؤالا يتجاوز الحزن إلى مساءلة أسبابها، مرورا بغسان كنفاني الذي لم يرَ الثقافة هامشا للمقاومة بل جزءا من بنيتها، وصولا إلى إدوارد سعيد الذي أعاد التفكير في الرواية والتمثيل والمنفى وعلاقة المعرفة بالقوة، كان ثمة إيمان بأن فهم ما يجري للفلسطيني شرط من شروط تغييره. أخبار ذات صلة مشعل: الاحتلال يبتلع 70% من غزة ومخطط التهجير الشامل في القطاع والضفة ما زال قائماً
وكان هشام شرابي يحفر في بنية المجتمع والسلطة والأبوية، وكأن التحرر لا يكتمل بزوال القهر الخارجي إذا بقيت أشكاله مستقرة في الداخل. أما فيصل حوراني فكتب من داخل التجربة الوطنية، مستعيدا إياها وناقدا لها، فيما واصل ماهر الشريف، من موقع الباحث والمؤرخ، الاشتغال على تاريخ الفكر السياسي الفلسطيني وتحولاته وأسئلته. وعلى اختلاف هؤلاء وغيرهم، جمع بينهم معنى أساسي؛ أن القضية لا تحتاج فقط إلى من يدافع عنها، بل إلى من يفكر فيها، ويراجع مساراتها، ويعيد طرح أسئلتها.
فما الذي حدث؟ كيف انتقلنا من زمن كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل والجامعات والصحف وحتى المقاهي تنتج، إلى جانب السياسة، أفكارا ومفاهيم ونقاشات، إلى زمن يبدو فيه إنتاج الموقف أسرع كثيرا من إنتاج الفكرة؟ هل تغيرت السياسة، أم المثقف، أم الجمهور؟ ولماذا أصبح الخلاف أحيانا صراعا حول المواقع والولاءات أكثر منه بين تصورات مختلفة للمستقبل؟.
واللافت أن الاحتلال نفسه أدرك قوة الفكرة. لماذا استهدف كتّابا وباحثين ومثقفين، وتعامل مع مؤسسات ثقافية وبحثية بوصفها جزءا من ميدان الصراع؟ ما الذي يمكن أن تخشاه قوة عسكرية من رجل لم يحمل بندقية؟ أليس
التعليقات (0)