الأربعاء 21 أكتوبر 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس
من رماد الحرب تولد القوةما بعد الحرب على غزة ليس مجرد لحظة لالتقاط الأنفاس، بل مرحلة لإعادة صياغة الوعي والمجتمع من جديد. فالحرب الأخيرة لم تدمّر الحجر فقط، بل مسّت النسيج الإنساني العميق للمجتمع الفلسطيني. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ أكثر من 70% من سكان غزة نزحوا من منازلهم، وأن نحو 17 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما. خلف هذه الأرقام واقعٌ إنساني قاسٍ، تُطلّ منه المرأة الفلسطينية كقوة فاعلة، لا كضحية تنتظر الإنقاذ.لقد كانت النساء دومًا في قلب الصمود الفلسطيني، لكنّ ما بعد الحرب يضعهن أمام مسؤولية نوعية: الانتقال من موقع الصبر إلى موقع القيادة والبناء.
هل نحتاج إلى دور مغاير للمرأة عن الرجل؟السؤال لا يُقصد به التمييز، بل إعادة النظر في طبيعة الأدوار نفسها. فالحرب كشفت أنّ كلا الجنسين يتحملان عبئًا مختلفًا في الشكل، متكاملًا في المضمون. الرجال غالبًا في الميدان المادي للبناء والحماية، والنساء في الميدان الإنساني والاجتماعي والسياسي، حيث إعادة إنتاج الحياة اليومية بكل تفاصيلها.تؤكد تقارير المنظمات الدولية أنّ أكثر من 80% من النساء في غزة أصبحن مسؤولات عن إعالة أسرهن بعد فقدان العمل أو غياب المعيل، ما يجعل دور المرأة ليس مغايرًا للرجل، بل مكمّلًا له في إعادة إنتاج الوجود الفلسطيني.الاختلاف هنا ليس في القيمة، بل في الوظيفة: فحين ينهض الرجل ببناء الجدران، تبني المرأة الوعي والعلاقات والمعنى.العدالة بين الجنسين: تكامل لا تفاضلالعدالة الحقيقية لا تُقاس بالمساواة الشكلية، بل بتمكين الطرفين من المساهمة في صياغة المصير المشترك. المطلوب بعد الحرب ليس “تقاسمًا” للأدوار بل شراكة مسؤولة في بناء المجتمع من جديد.المرأة الفلسطينية اليوم لا تطالب بمكانٍ إلى جانب الرجل فحسب، بل تطالب بأن يكون صوتها جزءًا من القرار: في التخطيط، في السياسات العامة، وفي إعادة توزيع الموارد والفرص.فالعدالة ليست في أن تفعل المرأة ما يفعله الرجل، بل في أن تملك حرية الفعل وفق قدراتها ورؤيتها، وأن يُعترف بدورها بوصفه عنصرًا أساسيًا في مشروع التحرر والإعمار، لا مجرد ملحق إنساني له.المرأة في قلب المجتمع: البناء الاجتماعي والنفسيحين تتصدّع البنية المجتمعية، تكون النساء أول من يلتقط خيوط النسيج لإعادة وصله. في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء والمبادرات التطوعية، تتصدر النساء مشهد إعادة الترميم الاجتماعي والنفسي. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ 70% من العاملين في برامج الدعم النفسي والاجتماعي في غزة هنّ من النساء، يقمن بدور حاسم في مساندة الأطفال والناجين.لكن هذا الدور لا يجب أن يُختزل في “الرعاية”، بل يجب أن يُعترف به كجزء من عملية المقاومة الثقافية والحفاظ على الكرامة الإنسانية. فإعادة بناء الإنسان ليست أقل أهمية من إعادة بناء الجدران.إن قدرة المرأة على تحويل الألم إلى طاقة حياة، والحداد إلى فعل جماعي منظم، تجعلها ركيزة لا غنى عنها في عملية النهوض الوطني.من التمثيل إلى القيادة: المرأة والسياسةلقد أثبتت التجربة الفلسطينية منذ ثورة 1936 وحتى الانتفاضتين أن المرأة ليست غائبة عن الفعل السياسي. واليوم، تُطرح مرحلة ما بعد الحرب كفرصة لإعادة تموضعها كقائدة وصانعة قرار.ينبغي أن تشارك النساء في لجان الإعمار، وهيئات الحكم المحلي، وصياغة الخطط الوطنية للتنمية، لا كممثلات رمزيّات بل كصاحبات كفاءة وخبرة. إن إدماج المرأة في مسارات القرار السياسي ليس مسألة إنصاف فحسب، بل ضمانة لاستدامة الرؤية الوطنية، لأن التغيير الذي لا يشمل نصف المجتمع محكوم بالفشل.من حق المرأة أن تشارك في رسم سياسات إعادة التوطين والتعويضات، وفي النقاش حول العدالة الانتقالية، لأنّ تجاربها ومعاناتها تمنحها رؤية مختلفة حول مفهوم العدالة والمصالحة.المرأة والاقتصاد: من الإعالة إلى الإعماردمّرت الحرب أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي في غزة، وأغلقت آلاف الورش والمصانع. في المقابل، برزت النساء كقوة اقتصادية بديلة، خصوصًا في مجالات المشاريع الصغيرة والحرف والخدمات المجتمعية.تمكين المرأة اقتصاديًا ليس فقط مطلبًا تنمويًا، بل ضرورة وطنية لإعادة الدورة الإنتاجية. فالمشاريع التي تديرها نساء في الزراعة المنزلية أو الصناعات الغذائية أو التعليم المجتمعي تسهم في خلق مصادر دخل وتعزيز الاعتماد الذاتي.من هنا، يصبح إنشاء صناديق تمويل نسائية وإتاحة قروض ميسّرة لنساء فقدن معيلاتهن جزءًا من مشروع الإعمار لا من العمل الخيري. فالمرأة ليست مستفيدة من الإعمار، بل شريكة في قيادته.المرأة والثقافة والتربية: وعي ما بعد الحربالحرب ليست فقط دمارًا ماديًا، بل حرب على الذاكرة والمعنى. وهنا تتجلى المرأة الفلسطينية كصاحبة رسالة ثقافية وتربوية، تنقل الوعي الجمعي وتحافظ على هوية المكان والإنسان.الأم، والمعلمة، والكاتبة، والفنانة، كلهن يشكّلن خط الدفاع الثقافي الأول ضد محو الوعي الوطني. فالتربية هنا لا تعني فقط تنشئة الأطفال، بل زرع المعنى وإعادة صياغة سردية الصمود.حين تُربّي المرأة طفلًا على فكرة الكرامة والعدل والحياة، فإنها تمارس فعلًا سياسيًا بامتياز. وهكذا تتحول التربية إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة التي تزرع المستقبل.نحو عقد اجتماعي جديدإنّ مرحلة ما بعد الحرب ليست لحظة ترميم، بل فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني على أسس جديدة من العدالة والمشاركة.فالمرأة الفلسطينية لم تعد نصف المجتمع فحسب، بل صانعة اتزانه ومصدر قوته. العدالة الحقيقية في هذه المرحلة لا تتحقق إلا بشراكة كاملة بين الرجل والمرأة، شراكةٍ في القرار والمسؤولية والمصير.لقد آن الأوان لأن تتحول التجربة الفلسطينية مع المرأة من خطاب “تمكين” إلى مشروع وطني للعدالة، تُبنى فيه السياسات على مبدأ التكامل لا التفاضل.فالمرأة ليست شاهدة على الحرب، بل فاعلة في صناعة ما بعدها؛ ليست ضحية تبحث عن الإنصاف، بل شريكة تصنع مع الرجل معنى الوطن بعد أن حاولت الحرب محوه.خلاصة القول:المرأة الفلسطينية بعد الحرب ليست عنوانًا للضعف أو الصبر فقط، بل بوصلة للبقاء وعدالة النهوض. في بيتها، ومجتمعها، وميدانها العام، تمارس أدوارًا متشابكة تُعيد للإنسان الفلسطيني قدرته على الحياة والكرامة، لتؤكد أن مستقبل فلسطين يُكتب بصوتين متكاملين: صوت الرجل وصوت المرأة معًا.
الأسير المبعد عبد العظيم عبد الحق حسن
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)