لا يقاس الجوع في قطاع غزة بما تفتقر إليه الموائد وحدها، بل بما يتركه من آثار عميقة في أجساد الأطفال الذين حُرموا الغذاء الكافي في أكثر مراحل العمر حساسية. فبين نقص الطعام، وارتفاع تكاليف المعيشة، والنزوح المتكرر، وتراجع القدرة على توفير الحليب والمواد الغذائية الأساسية، يخوض آلاف الأطفال معركة صامتة مع سوء التغذية، فيما تقف أمهاتهم عاجزات أمام احتياجات لا يملكن القدرة على تلبيتها.
وعلى الرغم من التحسن النسبي في دخول بعض السلع إلى القطاع، فإن ذلك لم ينهِ معاناة الأسر التي أنهكتها الحرب، إذ لا يكفي توافر الطعام في الأسواق عندما تعجز العائلات عن شرائه، ولا تنتهي آثار الجوع بمجرد تحسن الإمدادات، بعدما ترك الحرمان الغذائي بصماته على نمو الأطفال وصحتهم وقدرتهم على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.
تختصر معاناة سناء أبو راضي، وهي أم لطفل عانى من سوء التغذية، جانباً من المأساة التي تعيشها العائلات الغزية. فقد كان طفلها في نحو الشهر الرابع عشر من عمره عندما اشتدت أزمة الغذاء وتفاقمت ظروف المجاعة، لتجد الأسرة نفسها أمام واقع بالغ الصعوبة انعكس على صحته وحالته الجسدية.
وتروي الأم كيف تدهورت أوضاع طفلها في ظل الظروف المعيشية القاسية، بينما بات تأمين الغذاء المناسب له تحدياً يومياً يفوق قدرة الأسرة. فالأطفال في هذه المرحلة العمرية يحتاجون إلى غذاء متوازن يوفر لهم الطاقة والعناصر الضرورية للنمو، لكن الحرب والحصار حوّلا أبسط الاحتياجات إلى عبء ثقيل على كاهل الأمهات.
ولا تتوقف معاناة هذه الأسر عند تأمين وجبة تسد الجوع، إذ إن الطفل الذي يفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية يحتاج إلى متابعة صحية وغذائية مستمرة، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من ضغوط هائلة، وتواجه العائلات صعوبات في الحصول على الغذاء المتنوع والمكملات الضرورية.
من داخل العيادات، ترصد رئيسة قسم التغذية السريرية في مستشفى ناصر، الدكتورة إسراء النجار، استمرار تدفق حالات الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، مؤكدة أن العيادات تستقبل ما بين 400 و600 حالة شهرياً، من بينها نحو 120 إلى 140 حالة تعاني من سوء تغذية حاد، فيما تتوزع الحالات الأخرى بين درجات متوسطة من الإصابة.
التعليقات (0)