إيطاليا رومانية ومسيحية.. هنا وُلدت الإمبراطورية الرومانية، وهنا توحدت شعوب البحر الأبيض المتوسط، وهنا كان مركز الديانة المسيحية، لذا فالمسيح روماني كما كتب دانتي، وهنا أيضا وُلدت أعظم عقول التقدم
بواسطة روبرتو فاناتشي، عضو البرلمان الأوروبي ومؤسس حزب "فوتورو ناتسيونالي"
حتى عام 2023 لم يكن اسم روبرتو فاناتشي (Roberto Vannacci) معروفا إلا لعدد قليل جدا من الإيطاليين. وُلد هذا العسكري الفارع الطول، الحاد النظرات والقصير الشعر، في كنف عائلة عسكرية، فقد كان أبوه وجده جنديين محترفين. سار فاناتشي على خطاهما فصار ضابطا في الجيش الإيطالي، وخدم في القوات الخاصة في العراق وأفغانستان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم قاد في عام 2016 لواء المظليين "فولغوري" المرموق، أحد أهم الوحدات المحمولة جوا في الجيش الإيطالي. وبين عامي 2017 و2018 قاد الوحدة الإيطالية في العراق ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "الدولة الإسلامية"، ثم عمل ملحقا عسكريا في السفارة الإيطالية بموسكو بين عامي 2020 و2022، قبل أن يتولى رئاسة المعهد الجغرافي العسكري في فلورنسا.
لكن تاريخه العسكري الطويل لم يجعله وجها معروفا في الشارع الإيطالي، فقلّما ينشغل أحد بتتبع سيرة عسكري لم يكن له حضور عام يُذكر. غير أن قرارا اتخذه فاناتشي، البالغ من العمر 58 عاما، أثناء عمله في المعهد الجغرافي بفلورنسا، كان كفيلا بأن يقلب حياته، ومعها الحياة السياسية في إيطاليا كلها. كان القرار ببساطة أن يزجي وقت فراغه في المعهد بكتابة كتاب يعرض فيه رؤيته للعالم، ولم يكن يطمح إلى أكثر من أن يوزعه على أصدقائه ويبيع منه 300 أو 400 نسخة. لكن ما حدث تجاوز ذلك بكثير.
أطلق فاناتشي لقلمه العنان، فعبّر عن مكنون أفكاره اليمينية بجرأة شديدة، وسمّى كتابه "العالم بالمقلوب" (Il mondo al contrario)، لأنه يرى أن العالم انقلب رأسا على عقب؛ فالقيم التقليدية التي يعدّها ثمينة باتت تُهاجَم وتتوارى، فيما صارت أفكار يراها شاذة هي التي تسود المجتمعات الغربية وتحكمها. هاجم في الكتاب مجتمع الميم والنسويات، وشنّ هجوما عنيفا على الهجرة، ودافع باستماتة عن القيم المسيحية المحافظة، ووصف المثليين بأنهم "غير طبيعيين"، وقال إن ثمة مؤامرة على بلاده تستهدف استبدال سكانها البيض الأصليين بسكان من أعراق أخرى. ثم جاءت المفاجأة صاعقة لفاناتشي وللجميع، فقد دقت ساعة شهرته في موعد لم يتخيله، إذ حقق الكتاب نجاحا مذهلا، رغم أن الإيطاليين يقضون في قراءة الكتب وقتا أقل بكثير من غيرهم في القارة الأوروبية.
صار الكتاب، في عامه الأول بعد صدوره في أغسطس/آب 2023، من أكثر الكتب مبيعا في إيطاليا، وبحلول مطلع عام 2024 كان قد باع 200 ألف نسخة. وهذا رقم كبير في سوق صغيرة، فمذكرات الأمير هاري "الاحتياطي" (Spare)، التي تصدرت قائمة الأكثر مبيعا في إيطاليا، لم تبع سوى 300 ألف نسخة، لأن قطاع النشر والقراءة في إيطاليا ضعيف ومحدود عموما. وبعد ثلاث سنوات على صدوره، تجاوزت مبيعاته مليون نسخة. وهكذا صار فاناتشي، الذي لم يكن يعرفه إلا قليلون، حديث التلفاز والصحف منذ صيف 2023.
التعليقات (0)