في صباح الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، سيستيقظ نحو مليوني فلسطيني في أراضي 1948 المحتلة على نتائج انتخابات الكنيست الـ26. سيكون قد تم فرز الأصوات، وتشكّلت التحالفات، وبدأت المساومات الحزبية فوق طاولات التفاوض في تل أبيب. سيخرج المحللون ليرددوا لازمتهم المستهلكة: “تغيير الوجوه”، أو “بقاء نتنياهو يعني الحرب الأهلية والإقليمية”. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطارد كل ناشط ومواطن ومثقف في ذلك الصباح، ليس من فاز ومن خسر، بل: “ماذا سنفعل نحن؟” هذا المقال ليس تحليلاً لنتائج انتخابات لم تُجرَ بعد، بل هو خطة عمل استباقية لليوم التالي؛ لئلا نستيقظ في 28 أكتوبر على الفراغ نفسه، ولئلا نكرر دوامة الترقب العقيم. الحقيقة التي يجب أن ننطلق منها بلا مواربة هي أن الكنيست لم يكن يوماً بوابة للحرية، ولن يكون. الانتخابات الإسرائيلية ليست محطة لتقرير المصير، بل أداة هندسية لضبط الديموغرافيا وتدجين المشروع السياسي تحت سقف الاحتلال.
أولاً: وهم “التأثير من الداخل” وسقف المواطنة الاستعمارية 1. المواطنة الاستعمارية: سقف لا يُخترق على مدى عقود طويلة، راهنت نخب واسعة في الداخل على معادلة بسيطة في ظاهرها، كارثية في جوهرها: “نشارك، فنمثّل، فنؤثر، فنحصّل”. غير أن هذه المعادلة شُيدت على رمال متحركة. فـ"المواطنة الإسرائيلية" لم تكن يوماً عقداً اجتماعياً قابلاً للإصلاح أو التوسيع التراكمي، بل هي مواطنة استعمارية مشروطة؛ مُنحت لفلسطينيي الداخل غداة النكبة كأداة ضبط أمني وتطويع مدني، وصُممت قواعدها بحيث تضع سقفاً حديدياً لا يمكن اختراقه: المسموح به هو المطالبة بتحسين شروط العيش والخدمات تحت مظلة السيادة الصهيونية، والمحرم قطعاً هو المساس ببنيان “الدولة بوصفها دولة يهودية”. وقد بلغ هذا السقف ذروته التشريعية الصريحة مع إقرار “قانون القومية” عام 2018، ثم تكبّل بعنف الإبادة في حرب غزة بعد السابع من أكتوبر 2023. يقف فلسطينيو الداخل — خُمس سكان البلاد — أمام مصيدة محكمة: يملكون نظرياً القدرة على ترجيح كفة الحكم، لكنهم محاصرون بجدار عازل يمنعهم من تحويل هذا الثقل إلى أي مكتسب وطني أو حقوقي. 1. الرياضيات الانتخابية: عقم وظيفي هيكلي تكشف لغة الأرقام الباردة زيف مقولة “بيضة القبان”؛ فالمعسكران الصهيونيان الكبيران (معسكر نتنياهو واليمين الفاشي في مواجهة تحالف آيزنكوت و"الوسط") يتعادلان تقريباً حول عتبة الخمسين مقعداً لكل منهما، بينما تحصل القوائم العربية مجتمعة على 13 إلى 14 مقعداً. غير أن هذه القوة العددية مصابة بشلل وظيفي كامل؛ إذ يحكم المشهد إجماع صهيوني فوقي على إقصاء الصوت العربي. آيزنكوت نفسه صرّح علانية بأنه لن يشكل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية، وهو الموقف ذاته الذي يتمترس خلفه ليبرمان وبينيت ولبيد، مدعومين بنحو 70% من الشارع الصهيوني الرافض لأي شراكة سياسية مع العرب وفق استطلاعات الرأي. 1. مقصلة الشطب: الديكور المشروط وفي سبتمبر 2026، جسّدت لجنة الانتخابات المركزية هذا الواقع العملي حين شطبت القائمة المشتركة، وقائمة “راعم”، ورئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة. إن هذا السلوك الاستعماري يبعث برسالة قاطعة: تقبل المنظومة الصهيونية الصوت العربي كديكور ديمقراطي يُجمّل وجهها أمام العالم، لكنها تشهره كـ “خطر أمني” وتشهر مقصلة الشطب فور اقترابه من أدوات التأثير الحقيقي.
ثانياً: فضيحة “البراغماتية” بالأرقام… ماذا جنى من دخلوا اللعبة؟ في دورة عام 2021، قاد منصور عباس تيار “راعم” (القائمة العربية الموحدة) إلى تجربة غير مسبوقة بالدخول المباشر في ائتلاف حكومي صهيوني (حكومة بينيت-لبيد)، رافعاً شعار: “نُحيّد الخطاب الوطني المرتفع، لنحصّل الميزانيات ونحمي المجتمع”. لكن دفاتر الحسابات الميدانية لا تكذب، والحصاد جاء كارثياً وفق التقارير الموثقة: • خطة 550 الحكومية (30 مليار شيكل): رُوج لها كإنجاز تاريخي لتطوير المجتمع العربي، لكن تقارير المتابعة المستقلة أكدت أنه لم يُصرف منها فعلياً سوى أقل من 32%، بعد أن خضعت لبنود الابتزاز السياسي والتجميد المزاجي من قبل الوزارات المعنية. • تغول الجريمة المنظمة والسلاح المنفلت: لم يحصد المجتمع أماناً؛ بل قفزت جرائم القتل من 90 ضحية عام 2020 إلى أكثر من 250 ضحية سنوياً (مسجلة 252 جريمة قتل في 2025 وحدها وفق توثيق مراكز الرصد الحقوقية) بنسبة تصاعد مروعة تجاوزت 130%، بينما كان عباس يجلس داخل الائتلاف الحاكم. • تسارع بلدوزرات الهدم: لم تشفع المقايضة لأهالي النقب؛ حيث سُجل أكثر من 5,700 أمر هدم جديد، واستمر تجريف القرى البدوية وتطويقها بالمستوطنات الرعوية. • شلال الدم في غزة: شنت الحكومة ذاتها التي شارك فيها الصوت العربي عمليات عسكرية دامية كـ"الفجر الصادق" (2022)، ليُسفك الدم الفلسطيني بغطاء وشراكة من داخل مقاعد الحكم. أمام هذا الواقع، تتجسد الحقيقة الإنسانية في قصة قرية “العراقيب” البدوية غير المعترف بها شمال بئر السبع؛ حيث تسكن 22 عائلة (نحو 87 شخصاً) يواجهون آليات الاقتلاع التي هدمت خيامهم أكثر من مئتي مرة وبلغت بحلول مطلع 2025 نحو 235 عملية هدم كاملة. تقول الحاجة أم إبراهيم، التي عايشت بطولات إعادة نصب الخيام بيدها بعد كل اقتلاع: «هدموا بيتي للمرة المئتين؛ وفي كل مرة كنا نعيد رفع السقف بأيدينا وبمعونة جيراننا. الكنيست لم يحمِ لنا وتداً، ولم يبنِ في قريتنا حجراً… من يطلب الأمان من جرافة هادمة يطلب الحياة من سكين ذابحه!» الدرس الأقسى هنا هو أن المنظومة الصهيونية لا ترفض السياسي الفلسطيني بسبب “سقفه المطلبي”، بل ترفضه لـ أصل وجوده وهويته الجمعية. ولم تشفع لمنصور عباس تنازلاته؛ إذ وجد نفسه في نهاية المطاف مشطوباً من لجنة الانتخابات ومرفوضاً من شركاء الأمس.
ثالثاً: لماذا لا تشكل “المقاطعة السلبية” مخرجاً؟ في المقابل، يرفض قطاع واسع من أبناء شعبنا المشاركة في الانتخابات انطلاقاً من موقف مبدئي سليم: الكنيست مؤسسة استعمارية، والتوجه لصناديقها يضفي شرعية زائفة على نظام الفصل العنصري. غير أن معضلة هذا التيار تكمن في انزلاقه المتكرر نحو “المقاطعة السلبية”؛ أي الاكتفاء بالبقاء في المنازل، والتمترس خلف شاشات التواصل الاجتماعي لإطلاق النقد النخبوي المجرد دون بناء بدائل شعبية على الأرض. إن الغياب السلبي يفرّغ الساحة ويترك الجماهير عارية بلا مظلة حماية مدنية أو سياسية، ويخلق فراغاً موحشاً تتغذى عليه عصابات الجريمة المنظمة وتروج فيه مشاريع الإحباط والأسرلة.
رابعاً: الطريق الثالث — فك الارتباط وبناء السيادة الذاتية إذا كانت المشاركة قد أفقرتنا وأضعفتنا وسلبتنا كرامتنا السياسية، والمقاطعة السلبية قد عزلتنا وشتتت صفوفنا، فإن السؤال اليوم ليس “أي الخيارين أقل سوءاً؟” بل “كيف نخرج من قواعد اللعبة الاستعمارية برمتها؟” هنا تماماً ينبلج “الطريق الثالث”؛ طريق لا يراهن على كراسي البرلمان ولا يستسلم لليأس المنزلي، بل يعتمد استراتيجية فك الارتباط الاستراتيجي التراكمي عن الكنيست كمركز ثقل، وإعادة بناء القوة الفلسطينية الذاتية عبر سبع ركائز عملية:
1. برلمان شعبي منتخب (إحياء لجنة المتابعة) إعادة بناء “لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية” عبر انتخابات ديمقراطية شعبية مباشرة — لا مجرد محاصصة حزبية مغلقة — كما دشنت جماهير شعبنا محطتها التاريخية الأولى عام 1988 بانتخابات حرة رسخت مرجعيتها الوطنية. المطلوب اليوم إعادة إطلاق هذا الاستحقاق باقتراع حر يشمل القرى والمدن كافة، مع ضمان كوتا ملزمة لا تقل عن 35% لجيل الشباب و30% للحركات النسوية، ليتحول إلى برلمان وطني للداخل يقود تقرير المصير المجتمعي.
التعليقات (0)