حين يُطلب من الفلسطينيين انتظار الانتخابات الإسرائيلية المقبلة،يُطلب منهم عملياً تعليق مستقبلهم على قرار لا يملكون المشاركة في صنعه، فيما تستمر على أرضهم سياسات تغير شروط هذا المستقبل. المشكلة ليست في متابعة الانتخابات أو تحليل نتائجها، فهذا عمل ضروري لفهم البيئة السياسية. المشكلة في تحويلها إلى مصدر للأمل الوطني، وافتراض أن تبدل الحكومة سيقود إلى تبدل موقف (الدولة) من الحقوق الفلسطينية. بين الأمرين مسافة ينبغي أن يملأها التحليل، لا التمنيات. ومن هنا تأتي عبارة "ولكن" في عنوان هذا المقال، علينا ألّا نبني إستراتيجيتنا على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ولكن علينا أن نفهمها، ونستثمر ما تتيحه من فرص، ضمن مشروع فلسطيني مستقل في أهدافه وأدواته وتوقيته.
في العلوم السياسية، يفيد التمييز بين الحكومة بوصفها ائتلافاً يتغير، والدولة بوصفها مؤسسات ومصالح وقواعد تستمر. إسرائيل امتداد سياسي ومؤسسي للمشروع الصهيوني، وليست مجرد حكومة يقودها هذا الشخص أو ذاك. وتتصل سياساتها تجاه الفلسطينيين ببنية السيطرة على الأرض، ومؤسسات الأمن، وشبكات الاستيطان، والتصورات السائدة للسيطرة والهوية. لذلك، فإن هزيمة حزب أو خروج شخص من السلطة لا تعني، بذاتها، تفكيك هذه البنية. قد تتبدل لغة الحكم وأولوياته وأساليب ممارسته للقوة، بينما تبقى المصالح التي تحمي استمرار الاحتلال قائمة.
وتتداخل هذه المصالح مع سرديات تاريخية ودينية توظفها تيارات قومية ودينية لتقديم الأرض باعتبارها ميراثاً حصرياً و"أرض الآباء والأجداد". ولا يحتاج نقد هذا التوظيف إلى افتراض أن جميع الإسرائيليين يفكرون بالطريقة نفسها؛ فداخل المجتمع الإسرائيلي خلافات وتيارات بعضها معارضة للاحتلال. لكن السؤال السياسي يتعلق بالقوى القادرة على تحويل تصوراتها إلى تشريع وموازنة وقرار عسكري. وتزداد صعوبة التسوية عندما يجري إخراج الأرض من مجال التفاوض السياسي وإدخالها في مجال الحق الديني المطلق، بحيث يصبح الاعتراف بالحقوق الفلسطينية في نظر هذه القوى تخلياً عن جزء من تعريفها لذاتها.
وفي المستوى الدولي، يرتبط استمرار هذه البنية بعلاقات دعم وحماية مع قوى كبرى تجد في إسرائيل شريكاً يخدم مصالحها الإستراتيجية والعسكرية. فالعلاقة هنا تقوم على تفاعل المصالح والنفوذ، وليست علاقة تبعية فقط. وتترتب على ذلك نتيجة فلسطينية مباشرة، تغيير السياسة الإسرائيلية يحتاج أيضاً إلى التأثير في البيئة الدولية، حيث تجعل استمرار الاحتلال عالي الكلفة، ولا يكفي هنا انتظار تغير الأشخاص فقط.
تقدم تجربة أوسلو مثالاً واضحاً على خطورة الفصل بين المسار السياسي والنتيجة المطلوب الوصول إليها. فإعلان المبادئ لعام 1993 نص على حكم ذاتي انتقالي لمدة خمس سنوات، وعلى تسوية دائمة تستند إلى قراري مجلس الأمن (242 و338) ، وأرجأت قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه إلى مفاوضات الوضع الدائم. لكنه لم يتضمن التزاماً صريحاً بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وهذا فرق جوهري بين وجود عملية تفاوضية وبين ضمان مآلها السياسي. قراءة النص بهذه الدقة تساعد على فهم كيف يمكن للمرحلة الانتقالية أن تستمر حتى اللحظة ، بينما يظل الهدف الوطني الذي علقت عليها الآمال غير متحقق .
ومن زاوية نظرية التفاوض، تظهر هنا مشكلة عدم تكافؤ البدائل. الطرف القادر على السيطرة على الأرض وتغيير وقائعها قد يجد استمرار الوضع القائم أقل كلفة من تقديم تنازل جوهري. أما الطرف الواقع تحت الاحتلال، فيتحمل يومياً كلفة الانتظار والتجزئة والحرمان. ولهذا لا يحمل الزمن القيمة نفسها للطرفين، فقد يكون التأجيل بالنسبة إلى أحدهما فرصة لترسيخ السيطرة، وبالنسبة إلى الآخر خسارة إضافية في شروط ممارسة حقه. وعندما لا تقترن المفاوضات بوقف تغيير الوقائع وبآليات تنفيذ ومساءلة، يمكن أن تتحول إلى غطاء لإدارة الصراع وإطالة عمره.
التعليقات (0)