تكشف الدعاية الانتخابية لحركة شاس، التي تحذّر من قيام "دولة جميع الأغيار" عن جانب من الصراع الدائر داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن هوية دولة الاحتلال وطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة. لكن المسألة الأهم، كما يطرحها بعض المحللين، ليست في مضمون هذه الدعاية وحده، بل في غياب رد سياسي واضح من أحزاب الوسط وما تبقى من اليسار الصهيوني، التي كانت العلمانية في مراحل سابقة جزءاً أساسياً من هويتها وبرامجها الانتخابية.
فالمقارنة بين حملات ميرتس بقيادة شولاميت ألوني في تسعينيات القرن الماضي، وحزب "شينوي" بقيادة يوسف تومي لابيد في مطلع الألفية، وخطاب أحزاب الوسط واليسار الصهيوني اليوم، تشير إلى تحول يستحق التوقف عنده. ففي السابق، كانت قضايا الإكراه الديني، والمواصلات العامة أيام السبت، والزواج المدني، والتعليم، والإعفاءات الممنوحة للحريديم، تُطرح باعتبارها قضايا سياسية واجتماعية مركزية. أما اليوم، فيبدو أن هذه القضايا تراجعت إلى مرتبة ثانوية، على الرغم من استمرار الخلافات بشأنها واتساع نفوذ الأحزاب الدينية في المؤسسات العامة.
في انتخابات عام 1992، رفعت ميرتس شعار الفصل بين الدين والدولة، وقدّمت نفسها بوصفها قوة سياسية تدافع عن الحريات الفردية وعن حق الإسرائيليين العلمانيين في اختيار نمط حياتهم بعيداً عن تدخل المؤسسات الدينية. وفي انتخابات عامي 1999 و2003، نجح حزب "شينوي" في استثمار الاعتراض على الإكراه الديني، وطرح نفسه بديلاً علمانياً لحركة شاس، مستفيداً من الخلافات بشأن تمويل المعاهد الدينية، والإعفاء من الخدمة العسكرية، والمساواة في تحمّل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
لكن هذه التجارب تطرح سؤالاً عن أسباب تراجع هذا الخطاب اليوم. هل تغيّرت أولويات الناخب الإسرائيلي؟ أم أن أحزاب الوسط واليسار باتت أكثر حذراً في طرح القضايا التي قد تثير مواجهة مع الأحزاب الدينية؟ أم أن الحروب العدوانية المتعاقبة، وصعود الخطاب القومي والأمني، والتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، أعادت ترتيب القضايا التي تتنافس الأحزاب على أساسها؟
تقدّم مقاطع شاس الدعائية العلمانية والتعددية الثقافية باعتبارهما تهديداً للطابع اليهودي للدولة. وتقوم رسالتها الأساسية على ثنائية حادة: إما دولة يهودية، وإما دولة تفقد هويتها وتصبح "كدول جميع الأغيار"، ولا يقتصر الأمر هنا على الدفاع عن الممارسات الدينية أو التقاليد اليهودية، بل يتعلق بتوظيف الهوية الدينية في المنافسة السياسية، وتصوير الخصوم باعتبارهم خطراً على هوية الدولة.
ومن هذه الزاوية، يصبح غياب الرد الواضح من أحزاب الوسط واليسار مسألة سياسية، لأنه يترك المجال مفتوحاً أمام الأحزاب الدينية لتحديد إطار النقاش وشروطه، من دون أن تواجهها المعارضة بمشروع واضح بشأن العلاقة بين الدين والدولة، والحريات الفردية، والمساواة في الحقوق والواجبات.
التعليقات (0)