الثّلاثاء 20 أكتوبر 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس
في السياسة، لا تكمن خطورة الجريمة في فعلها وحده، بل في الطريقة التي تحاول بها السلطة تبريرها، وتحويل المعتدي إلى ضحية، والضحية إلى متهم، والوقائع الموثقة إلى رواية مشكوك فيها، وهذا ما فعله نتنياهو حين شكك في الاعتداء الذي تعرض له دبلوماسيون أوروبيون قرب الطيبة، مطالباً بأدلة مقنعة، قبل أن يضع غياب التنسيق المسبق مع جيش الاحتلال في صدارة روايته، وكأن المشكلة ليست في الاعتداء، بل في أن الضحايا لم يحصلوا على إذن مسبق لتجنب المعتدين، وكأن المطالبة بالتحقق من الأدلة لا تنطبق إلا على الفلسطينيين أو المتضامنين معهم؟لكن السؤال الأكثر إحراجاً لنتنياهو يتجاوز حادثة الطيبة، فهل يمكن لحكومته أن تطالب العالم بأدلة إضافية على اعتداء محدود، فيما ترفض الاعتراف بالدلالات القانونية والأخلاقية لسنوات من القتل والدمار والتجويع في غزة؟ لقد شاهد العالم صور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات تدمر، والكوادر الطبية ورجال الإسعاف والدفاع المدني الذين قُتلوا أثناء أداء واجبهم، فضلاً عن تدمير المدن والبنى التحتية، ووثقت وكالات أممية ومنظمات حقوقية وصحفيون هذه الوقائع، فيما اختفت مئات العائلات الفلسطينية تماماً من السجلات المدنية.
صحيح أن عدد من شاهدوا هذه المشاهد، وهم بالمليارات، لا يشكل وحده حكماً قضائياً، فالقانون لا يحسم الجرائم بالمشاهدة، بل بفحص الوقائع والأدلة والنية والمسؤولية الفردية والقيادية، لكن هذا لا يجوز أن يتحول إلى ستار للإنكار أو ذريعة لتأجيل المساءلة إلى ما لا نهاية، فالمحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير حربه على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما تنظر محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، كما خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن دولة الاحتلال ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وهذه مسارات قانونية مختلفة، لكنها تجعل اختزال ما جرى في مجرد ادعاءات إعلامية أمراً يتجاهل حجم التوثيق الدولي القائم.هنا تتجلى ازدواجية المعايير بأوضح صورها، فحين يتعلق الامر باعتداء على دبلوماسيين، يصبح غياب الصورة الكاملة سبباً للتشكيك، وحين يتعلق الأمر بدماء الفلسطينيين، لا تكفي مئات الساعات من التوثيق والشهادات والتقارير الدولية لإنهاء سياسة الانكار. إذاً، ليست المشكلة في الأدلة وحدها، بل في من يملك سلطة تعريف الجريمة، ومن يستطيع تعطيل المساءلة، ومن يدفع ثمن الوقت الذي تستهلكه السياسة، فيما ينتظر الضحايا العدالة.ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن جذور إرهاب المستوطنين في الضفة، حيث يتقاطع التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي وتقييد حركة الفلسطينيين مع ضعف المحاسبة، وعندما يتعرض دبلوماسيون أجانب للاعتداء في هذا السياق، عندها يصبح السؤال عن مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال عن حماية السكان المدنيين ومحاسبة المعتدين أكثر إلحاحاً.سياسياً، يمنح التشكيك نتنياهو فرصة لامتصاص الضغط الخارجي دون تغيير السياسات على الأرض، ولا تكفي بيانات الإدانة او فتح التحقيقات لإثبات الجدية، بل يجب أن تقترن بنتائج معلنة وملاحقات قضائية وإجراءات تمنع تكرارها، وعلى الدول الأوروبية الانتقال من الاحتجاج اللفظي إلى خطوات دبلوماسية وقانونية ملموسة، بدلاً من ترك الوقائع تتراكم ثم الاكتفاء بالتعبير عن القلق.إذاً، المشكلة ليست في أن نتنياهو يشكك في جريمة بعينها، بل في منظومة سياسية تريد احتكار الحقيقة، وتطالب العالم بالأدلة حين تدان، فمن الطيبة الى غزة، تتكرر المعادلة ذاتها، فحين تضيق مساحة الإنكار، يتقدم التشكيك، وحين تصبح الوقائع عصية على التجاهل، تتكاثر الذرائع للهروب من المسؤولية.لكن الجرائم لا تمحوها البيانات، والدماء لا تتحول إلى مجرد ادعاءات بقرار سياسي، والضحايا لا يفقدون حقوقهم لأن الجناة يرفضون الاعتراف بها، والمفارقة أن من يطالب اليوم بالأدلة لم يجد في صور القتل والدمار ما يكفي لمواجهة حقيقة ما ارتكب في غزة من جرائم حرب، فحين ينكر الجلاد ما تراه عيون الملايين حول العالم، لا تكون المشكلة في غياب الأدلة، بل في عالم يرى الجريمة، ويوثقها، ثم يترك مرتكبيها يفلتون من قبضة العدالة.
عصام بكر: عضو المجلس الوطني الفلسطيني
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)