فوجئ كثيرون بإعلان ترامب عن دعمه الصريح لبنيامين نتنياهو في معركة الانتخابات الإسرائيلية الضارية، والسباق نحو رئاسة الوزراء مع متنافسين لا يختلفون بصورة جوهرية في توجهاتهم عن نتنياهو.
وأسباب المفاجأة متباينة، فالبعض يراها في وقوع هذا الدعم في انتخابات "ديمقراطية " وكأنّ إسرائيل أكثر ديمقراطية من غيرها، وقد سبق لترامب دعمه الصريح للمرشحين الأكثر يمينية في كل من الأرجنتين وهوندوراس والبرازيل وهنغاريا (حيث فشل صديقه وصديق نتنياهو فيكتور أوربان). وكذلك التدخلات السافرة في خيارات الدول الأخرى مثل رفضه ترشيح نوري المالكي من قبل ممثلي الأغلبية النيابية العراقية لمنصب رئيس الوزراء، ما دعا لاستبداله بمرشح بديل هو علي الزيدي.
ليس ثمة مبرر للدهشة، فأية ديمقراطية هذه لدولة تواصل ارتكاب جرائم الإبادة، وتقتل نحو 25 ألف طفل من دون أن يرف لها جفن. وتعمل على نزع الشرعية السياسية عن أكثر من خمس "مواطنيها"، فضلا عن احتلال شعب آخر ومصادرة حقوقه الوطنية والإنسانية، وحكومتها تقدم كل أشكال الدعم والغطاء السياسي للميليشيات الفاشية التي تواصل يوميا عمليات القتل والحرق ونهب المحاصيل وتسميم المياه. فدولة تقترف كل هذه الأعمال لا يمكن أن تكون ديمقراطية. أخبار ذات صلة ترامب ونتنياهو يبحثان استئناف الحرب على إيران قبل الانتخابات في "يوم الغفران".. مئات المستوطنين يدنسون الأقصى ونتنياهو يستعرض تهويد حائط البراق
لعل ما فاجأ البعض، هو أن ترامب كان يتجنب الظهور العلني مع نتنياهو في الآونة الأخيرة، ولا يفضّل مشاركة هذا الأخير في تجديد الحرب على إيران لأسباب عدة منها أن حضور نتنياهو في مشهد الحرب يضعف شرعيتها في نظر كثير من دول العالم وبالأساس في نظر الشعوب العربية، لأن إسرائيل لم تنجح بعد في التخلص من تهمة دولة الإبادة، ولأن صورتها في العالم هي صورة الدولة التي تفتعل الحروب بحثا عن الهيمنة والأطماع التوسعية. كما أن قطاعات واسعة من الأميركيين، ديمقراطيين وجمهوريين، مقتنعة أن نتيناهو هو الذي ضلل الرئيس ترامب وأقنعه بخوض هذه الحرب من أجل حسابات شخصية وإسرائيلية خالصة، ودونما أي ضرورة للولايات المتحدة وشعوب المنطقة، إذن نتنياهو هو في كل الأحوال "شريك خسارة" ولا أحد يرغب بالاقتران به.
لكن جراب ترامب لا يخلو من المفاجآت. وهو سبق له أن تدخل بشكل فظ في محاكمة نتنياهو ما أحرج الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ وكل مؤسسات القضاء والسياسة في إسرائيل. ويمكن بكل بساطة استيعاب دعمه الصريح لنتنياهو بأنه حريص على دعم مصالحه هو نفسه سواء في معركة انتخابات التجديد النصفي، أو في سعيه لإعادة بناء العالم على مقاس أحلام العظمة التي تحرّكه. عالم يبنى على معادلة القوة العارية وحدها بمعزل عن القوانين، عالم يسوده اليمين
المحافظ والشعبوي، ويجري فيه تمجيد العنف والتوسع والقيم العسكرية على حساب المؤسسات والدساتير والقوانين والمعاهدات الدولية والأمم المتحدة وحقوق الإنسان. ومَن أفضل من نتنياهو "البطل" و"الشجاع" و"المقاتل" كما يصفه ترامب، داعية اسبارطة الجديدة كما يصف نفسه، ذلك الذي انحاز علنا لقوة وبأس جنكيز خان على حساب دعوات السيد المسيح للتسامح والمحبة، من أفضل من "بيبي" للمساهمة في بناء هذا العالم الذي يتوق له ترامب؟
التعليقات (0)