يبدو أن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي قرر أخيرًا أن يدخل عالم “الهندسة الاجتماعية” بعد عقود من الدبابات والطائرات والحصار، اكتشف أن المشكلة ليست في كل ذلك، بل في شيءٍ أكثر تعقيدًا: الناس أنفسهم. وهكذا وُلد المصطلح الجديد اللامع: “نزع الحمسنة”—كأن غزة قطعة أثاث تحتاج إلى إعادة طلاء، أو تطبيقًا على الهاتف يجب حذف نسخه القديمة وإعادة تثبيته. الدراسة، التي طُرحت مطلع عام 2026، تبدو في ظاهرها بحثًا استراتيجيًا رصينًا، لكنها في جوهرها أقرب إلى دليل إرشادي لإعادة تشكيل مجتمعٍ كامل وفق مقاساتٍ خارجية.
الفكرة بسيطة—وبسيطتها هنا تكاد تكون مستفزة: لا يكفي القضاء على البنية العسكرية، بل يجب تفكيك الفكرة، الشبكات الاجتماعية، الروابط، وحتى المعنى الذي يمنح الناس القدرة على الاستمرار. أي باختصار: ليس المطلوب تغيير الواقع، بل تغيير الناس أنفسهم! تقترح الدراسة مسارًا متعدد الطبقات: أمنيًا، تقليص القدرات العسكرية؛ سياسيًا، إنشاء بديل حكم؛ اجتماعيًا، “إعادة تأهيل” المجتمع؛ اقتصاديًا، تحسين الظروف لتقليل ما تسميه “الحاضنة”. وكل ذلك يُقدَّم كأنه خطة تطوير حضري لمدينة تعاني من ازدحام، ويتعامى عن واقع يرزح تحت حصار طويل وحروب متكررة. لكن السخرية هنا ليست في اللغة التقنية الباردة فقط، بل في المفارقة الكبرى: الدراسة نفسها تعترف—ولو ضمنيًا—بأن الظروف التي أنتجت الواقع الحالي تشمل الحصار والضغط الاقتصادي وتفكك البنية المؤسسية. أي أنها ترى الجريمة بوضوح، لكنها تقرر أن العلاج ليس برفع يد المجرم عن هذا الجسد الغزي المثقل؛ بل بإعادة تشكيل الجسد كله ليتأقلم مع الألم!!
“نزع الحمسنة”، بهذا المعنى، لا يبدو مشروعًا لإزالة ظاهرة، بل محاولة لإعادة تعريف مجتمع كامل وفق تصورٍ أمني. كأن المطلوب من الناس أن ينسوا سياقهم، تاريخهم، وخبراتهم، وشهداءهم وجرائم هذا المحتل النازي وأن يبدأوا من جديد بنسخة مُعدّلة ومعتمدة. وكأن الهوية ملف يمكن حذفه، أو ذاكرة يمكن إعادة ضبطها بزرٍ صغير. الطريف—إن جاز استخدام هذه الكلمة في سياق كهذا—أن الدراسة تتحدث عن “بديل حكم” و”تحسين ظروف” و”إعادة تأهيل”، وكأن كل ذلك يمكن أن يُبنى بمعزل عن الإرادة المحلية. كأن المجتمعات تُدار كغرف عمليات، لا كحيوات مليئة بالتجارب والخسارات والأسئلة. وكأن الناس سيستيقظون ذات صباح ليجدوا أن كل شيء تغيّر، فيقررون ببساطة أن يتغيّروا معه. ثم يأتي السؤال الذي تحاول الدراسة تجاوزه بصمت: هل يمكن أن ينجح هذا كله في غزة؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع: ليس بهذه الطريقة. فالدراسة تخلط بين تنظيم يمكن تفكيكه، ومجتمع لا يمكن اقتلاعه من جذوره. ما تُسميه “نزع الحمسنة” يتعامل مع الظاهرة كأنها جسم منفصل، بينما هي—في حقيقتها—نتاج سياق طويل من الحصار والحروب والتجارب القاسية. تجاهل هذا السياق لا يلغي نتائجه، بل يعيد إنتاجها. ثم هناك معضلة الشرعية. أي “بديل حكم” يُصمَّم خارج غزة سيصطدم بسؤال بسيط: من اختاره؟ ومن يمنحه الثقة؟ في مجتمعات عاشت تحت الضغط، لا تُبنى الشرعية بالخطط، بل بالتجربة اليومية والقبول الحقيقي. وبدون ذلك، يصبح أي نموذج هشًا، قائمًا على العربدة لا على الرضا.
فكرة “إعادة التأهيل الفكري”، دليل على عنجهية محتل يريد أن يقتل حتى الأفكار التي تدور في عقل الغزي ! هذا المحتل المعتوه لم يلاحظ أن التجارب تقول عكس ذلك: المجتمعات التي تمر بصدمات طويلة تصبح أكثر تمسكًا بذاتها، لا أقل. وأي محاولة لفرض تغيير قسري غالبًا ما تؤدي إلى نتيجة معاكسة—تعزيز ما يُراد إضعافه. وإذا نظرنا إلى تجارب مشابهة في أماكن أخرى، نجد أن محاولات “إعادة تشكيل” المجتمعات من الخارج غالبًا ما تنتهي بمقاومة، أو فراغ، أو عودة الظاهرة بشكل مختلف. وكأن الواقع يصرّ في كل مرة على تذكير الجميع بحقيقة بسيطة: المجتمعات لا تُدار كملفات، ولا تُعاد كتابتها بقرار. في النهاية، تكشف هذه الدراسة أكثر مما تخفي. فهي لا تقدم فقط خطة، بل تكشف طريقة تفكير: كيف يُنظر إلى غزة— مدينة يعيش فيها بشر، او مسألة يجب حلّها. وبين كل هذه المصطلحات اللامعة، يبقى السؤال الأوضح بلا إجابة: إذا كان المطلوب تغيير الناس، فمن سيغيّر الواقع الذي صنع كل هذا أصلًا؟
💬 التعليقات (0)