تنطلق الحكايات المؤلمة أحياناً من ندوب بسيطة، لكنها في رؤية المخرج التونسي عبد الحميد بوشناق تتسع لتلتهم حيوات بأكملها. في فيلمه الجديد «بَكْمَة»، يختار بوشناق الغوص في المناطق المعتمة للمجتمع، مستخدماً جريمة غامضة كمدخل لتفكيك عوالم الإقصاء والتهميش التي تولد الانتقام.
يمتد الفيلم على مدار 117 دقيقة، وهو عمل متكامل صاغه بوشناق كتابةً وإخراجاً ومونتاجاً، ليؤكد بصمته الخاصة في سينما الرعب. يشارك في البطولة نخبة من الفنانين التونسيين منهم عزيز الجبالي وهادي كريسعان ومنيرة الزكراوي وزهراء مشرقي، الذين جسدوا صراعات إنسانية معقدة.
سجل الفيلم حضوره الدولي الأول في الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان «لوكارنو» السينمائي بسويسرا، حيث عرض ضمن قسم خارج المسابقة في أغسطس الماضي. ومن المقرر أن تنطلق عروضه التجارية في القاعات التونسية في الحادي والعشرين من أكتوبر الجاري، بعد عرض تمهيدي خاص.
يعود بوشناق، الذي عرفه الجمهور في أعمال مثل «دشرة» و«إبرة»، إلى منطقة الرعب المفضلة لديه، لكنه يمزجها هذه المرة بنفحة بوليسية. الحكاية تتجاوز مجرد البحث عن قاتل متسلسل، لتصبح مساءلة أخلاقية واجتماعية للعنف الذي يطاول الإنسان والحيوان على حد سواء.
تبدأ أحداث الفيلم بالعثور على جثة مشوهة بشكل مرعب، حيث تم تركيب أجزاء بشرية لعدة نساء مع استبدال الرأس البشري برأس كلب. هذه الصورة الصادمة تفتح الباب أمام المحققين لاكتشاف عالم سفلي يعيش فيه المشردون والعاملات في الجنس والمهمشون بعيداً عن الأضواء.
يحمل عنوان الفيلم «بَكْمَة» دلالات عميقة تشير إلى الصمت القسري والعجز عن التعبير في مجتمع لا يسمع الضعفاء. وتتجسد هذه الدلالة في شخصية «ياسين»، الرجل الأصم الذي عاش طفولة مريرة مليئة بالإهانة والتنمر، مما شكل وعيه المشوه تجاه العالم.
التعليقات (0)