قد يكون من الممكن تأجيل الاستحقاق الانتخابي بقرار سياسي تفرضه الظروف الراهنة، إلا أن التحولات العميقة في قناعات وتطلعات المجتمع الفلسطيني لا يمكن إيقافها أو تأجيلها. فالمواطن لا ينتظر فتح صناديق الاقتراع ليعيد تقييم مواقفه السياسية، بل يواصل طرح أسئلته الجوهرية حول أداء القيادات وما تحقق من وعود على أرض الواقع.
تأتي نتائج استطلاع الرأي الأخير الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية لترسل إشارات واضحة بالتزامن مع قرار تأجيل الانتخابات التشريعية. فقد كان من المقرر إجراء هذه الانتخابات في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل، قبل أن يتم ترحيلها إلى أيلول من العام القادم، مما فتح باب النقاش واسعاً حول التمثيل السياسي.
أظهرت البيانات أن الغالبية العظمى من الشارع الفلسطيني كانت ترغب في ممارسة حقها الديمقراطي، حيث أيد 53% إجراء الانتخابات في موعدها المحدد دون تأخير. وفي المقابل، فضل نحو 21% من المستطلعين تأجيلاً تقنياً قصيراً لا يتجاوز ستة أشهر، وهي أرقام تعكس رغبة ملحة في تجديد الشرعيات رغم الظروف الأمنية المعقدة.
لا شك أن إجراء الانتخابات يواجه تحديات ميدانية قاسية يفرضها جيش الاحتلال عبر إجراءاته القمعية في القدس المحتلة والضفة الغربية، فضلاً عن آثار الحرب المدمرة في قطاع غزة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الصعوبات اللوجستية لا تلغي الحق الأصيل للمواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبة المؤسسات القائمة على شؤونهم.
إن تأجيل الانتخابات لا يعني تجميد المشهد السياسي، فالسنوات التي تمر دون احتكام للصندوق ليست فترات محايدة، بل تشهد تشكل أولويات جديدة وتراجعاً في الثقة ببعض القوى التقليدية. وقد يجد الحزب نفسه محتفظاً بهيكله التنظيمي الرسمي، لكنه في الوقت ذاته يفقد مساحات واسعة من قاعدته الشعبية التي تبحث عن بدائل.
من أبرز ملامح التحول في الشارع الفلسطيني هو عزوف قطاع واسع عن تأييد الفصائل التقليدية، حيث اختار 33% من المشاركين عدم دعم أي خيار فصائلي مطروح. وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في الضفة الغربية، حيث وصلت نسبة المقاطعين للخيارات الحزبية القائمة إلى نحو 48%، مما يدق ناقوس الخطر للقوى السياسية.
التعليقات (0)