الأحد 18 أكتوبر 2026 8:45 صباحًا - بتوقيت القدس
نغضب حين يجيبنا الذكاء الاصطناعي بمعلومة خاطئة، لكننا نمرّر إشاعة عن إنسان دون أن نتوقف عند مصدرها. نطالبه بالاعتذار إذا أساء فهمنا، ونعتبر اعتذارنا لبعضنا انتقاصًا من الهيبة. نريده محايدًا، مهذبًا، يحترم خصوصيتنا ولا يصدر الأحكام علينا، ثم نغلق المحادثة لنفتح معركة في التعليقات، نحاكم فيها أشخاصًا لم نلتقهم، ونوزع الاتهامات بثقة لا تحتاج إلى دليل. كأننا نعرف جيدًا شكل الأخلاق التي نريدها، لكننا نفضّل أن تلتزم بها الآلة.في هذه المفارقة ما يستحق أكثر من السخرية. فنحن لا نطلب من التكنولوجيا مجرد إجابات، بل نطلب أحيانًا طريقة في التعامل افتقدناها بيننا: أن يُسمع سؤالنا كاملًا، وألّا يُسخر من جهلنا، وألّا يتحول اختلافنا إلى إهانة. وحين يشعر إنسان براحة أكبر في طرح سؤال على برنامج، خوفًا من استهزاء قريب أو شماتة زميل، فإن المسألة تكشف شيئًا مؤلمًا في علاقاتنا، يتجاوز الإعجاب بقدرات التقنية.
لكنني أتحفظ على القول إن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر أخلاقًا من الإنسان. فالتهذيب الظاهر في الإجابة ليس دليلًا كافيًا على وجود ضمير خلفها. هذه الأنظمة تُدرَّب وتُضبط لتنتج أنماطًا معينة من الردود، وقد تخطئ أو تتحيز أو تقدم كلامًا مضللًا بلغة شديدة اللباقة. هناك فرق بين جواب يبدو متعاطفًا وإنسان يتحمل مسؤولية تعاطفه، ويدفع من وقته أو ماله أو راحته ثمن الوقوف مع غيره.لهذا أرى أن المقارنة الأجدى ليست بين ضمير الإنسان و«ضمير» الآلة، بل بين المعايير التي نفرضها على الآلة والتبريرات التي نمنحها لأنفسنا. حين يخطئ البرنامج نقول إن فيه خللًا يجب إصلاحه، وحين نجرح شخصًا نقول: هذه طبيعتي. حين يتعذر عليه فهم السؤال نطالبه بالمحاولة مجددًا، وحين نعجز عن فهم الآخر نتهمه بالتعقيد. نصرّ على تطوير قدرات البرامج، فيما ندافع عن عيوبنا كأنها جزء مقدس من هويتنا.وفي فضائنا الرقمي تظهر المفارقة بوضوح. نتحدث طويلًا عن مخاطر الصور المصطنعة، ثم نشارك صورة حقيقية لإنسان في لحظة ضعف دون إذنه. نخشى أن يستخدم الذكاء الاصطناعي أصواتنا ووجوهنا للتضليل، بينما يجد بعضنا في تسجيل خاص أو لقطة مبتورة مادة للتشهير والتسلية. التقنية وسّعت إمكانات الأذى، وهذا يستدعي المساءلة، لكن الاستعداد لإيذاء الناس كان حاضرًا قبلها، وينتظر وسيلة أسرع وجمهورًا أوسع.وفي واقعنا الفلسطيني، حيث تتراكم الضغوط ويضيق هامش الاحتمال، تصبح الرحمة حاجة يومية. أعرف أن القلق على الرزق والخوف والإرهاق تستنزف أعصاب الناس، لكنني لا أرى فيها مبررًا مفتوحًا للقسوة. من ينتظر راتبه لا يحتاج إلى موعظة عن الصبر بقدر حاجته إلى معاملة تحفظ كرامته، وصاحب المشروع المتعثر لا يحتاج إلى شماتة متنكرة في هيئة نصيحة. نحن أعرف بوجع بعضنا، ولذلك تصبح مسؤوليتنا تجاه هذا الوجع أكبر.ولا تعفي هذه المراجعة الشركات المطورة من مسؤوليتها. فلا يكفي أن يأتي الرد مهذبًا إذا كانت طريقة جمع البيانات أو تصميم الخدمة تثير أسئلة عن الخصوصية والعدالة. الأخلاق تُختبر أيضًا في المصالح والقرارات ومن يتحمل الضرر، لا في مفردات الاعتذار وحدها. وما أرفضه عند الإنسان أرفض تجميله حين يصدر عن مؤسسة تكنولوجية.من وجهة نظري، أكثر ما تكشفه هذه التجربة إحراجًا أننا قادرون على وصف السلوك المحترم بدقة، وقادرون على المطالبة به بإصرار. نعرف قيمة الإنصات والإنصاف والاعتذار، ولا نقبل أن تهيننا آلة مهما بلغت قدراتها. يبقى أن نمنح الإنسان الذي أمامنا الحق نفسه. فإذا كنا نستطيع أن نكتب للبرنامج: «أعد صياغة إجابتك باحترام»، فربما يجدر بنا أن نتوقف، قبل إرسال تعليقنا التالي، ونعيد صياغة أنفسنا.* باحث ومستشار في الإعلام والتسويق الرقمي.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)