تُجمع الأدبيات السوسيولوجية والسياسية على أن المجتمعات التي تتعرض لمخططات تهميش هيكلي ومحاولات مستمرة لطمس هويتها، وتفكيك نسيجها الاجتماعي واستهداف وجودها، كما هو حال المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، لا يمكنها ضمان بقائها، فضلًا عن النهوض، بالاعتماد الحصري على سياسات «رد الفعل» أو الارتهان لمؤسسات السلطة الرسمية التي تمارس هذا التهميش.
وفي السياق المعقد الذي يعيشه المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، تكتسب هذه القاعدة أبعادًا وجودية؛ إذ يواجه المجتمع تحديات تتجاوز التمييز السياسي، لتصل إلى تفكيك بنيته الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، في مسعى يستهدف وجوده بوصفه مجتمعًا متماسكًا وقادرًا على التأثير في صياغة مستقبله على هذه الأرض.
ويحتّم هذا الواقع الانتقال الفوري من عقلية «الاحتجاج والمطالبة» إلى استراتيجية «المبادرة والبناء الذاتي والسيادة المدنية»، بما يعزز صمود المجتمع وثباته وتجذّره، ويرسّخ وجوده بوصفه مجتمعًا متكاملًا، لا مجموعة من الأفراد المنفصلين.
ومن هنا، تطرح هذه الورقة مقاربة لهندسة النهضة المجتمعية، تقوم على إحياء مؤسسة الوقف بوصفها رافعة اقتصادية، وتأسيس شبكات للتكامل المجتمعي، وصولًا إلى بناء مرجعية وطنية مستقلة من خلال مؤتمر إنقاذ وطني يضع النقاط على الحروف.
يمثّل الوقف الإسلامي ثورة أخلاقية واقتصادية تتجاوز مفهوم الإحسان العابر، لتؤسس حصنًا مجتمعيًا متينًا. فعلى المستوى الاقتصادي، يوفر الوقف منظومة استباقية لتعزيز الأمن المجتمعي، تتيح الانتقال من التركيز الحصري على المصالح الشخصية والفردية إلى منظومة تعزز الحقوق الجماعية، وتوظّف الموارد لخدمة المجتمع ككل، أو الفئات المستفيدة من الوقف وموارده.
وبمقدور الأوقاف، على سبيل المثال، الإسهام في معالجة أسباب الانحراف، وفي مقدمتها البطالة والتهميش، من خلال توجيه عوائدها نحو مشاريع إنتاجية وتشغيلية تستهدف الفئات المحتاجة، وتوفر لها فرصًا اقتصادية تعزز استقرارها.
التعليقات (0)