الأربعاء 29 أبريل 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس
يُستدل من نتائج الانتخابات المحلية، في إطار قراءة أولية لاستشراف وفحص الدلالات التي يمكن رصدها، خصوصًا بعد غياب طويل لم تجر فيه، والتي تعطلت وتأجلت وتعثرت لأسباب عديدة ليس الوقت للخوض فيها. هذه الانتخابات أفرزت مجموعة معطيات لا يمكن تجاهلها، تتكشف ضمن مشهد متلاطم الأمواج على عدة حقائق، من بين أهمها: العلاقة بين الانتخابات والاحتلال في مرحلة قاسية، إذ ليس فقط أن الاحتلال ما زال جاثمًا فوق صدورنا، وإنما يزداد شراسة وعنفًا. وهو (أي الاحتلال) يمثل اليوم التهديد الأول والأساس، والخطر الوجودي للشعب الفلسطيني على أرض وطنه. وإجراء الانتخابات قد يقود إلى سؤال: ما جدوى أن تجرى مع وجود الاحتلال واستمرار الوضع الحالي؟من الدلالات الهامة أيضًا، ضمن استعراض العملية الانتخابية للهيئات المحلية، أن جيلًا طوال الفترة الماضية لم يمارس حقه في الانتخابات (الترشح والتصويت)، نظرًا للأحداث والأوضاع التي مرت بها الأراضي الفلسطينية المحتلة وما زالت قائمة. يمكن قول الكثير حيال ذلك، وما تحمله أيضًا من نقاش قد يطول، لكن من أكثر الأمور تفاعلًا، إلى جانب ذلك، لوحظ العديد من القضايا والمؤشرات الهامة، من بينها: اهتمام الجمهور، الفترة الزمنية للدعاية، والمشاركة في مظاهر هذه الدعاية التي تفاوتت بشكل لافت واختلفت من منطقة إلى أخرى. وهو أيضًا ما انعكس على نسبة التصويت.وبعملية مرور سريعة للأرقام، بحسب لجنة الانتخابات المركزية، فإن عدد الهيئات المحلية بلغ 237 من أصل 421 لم يُجرَ فيها الانتخابات. وتشير إلى أن 40 هيئة أخرى لم يترشح فيها أحد، ووجود 197 فازت فيها قائمة واحدة (التزكية)، بينما جرت العملية الانتخابية في 184 هيئة محلية. هذه ليست مجرد أرقام يتم سردها، فهي تحمل في طياتها أيضًا معاني تنبع من تصور وتوقعات بنيت عليها، بعيدًا عن حالة الجدل التي واكبت قانون الهيئات المحلية رقم 23 للعام 2025 وتعديلاته، ثم سحب شرط الترشح بما يتيح إمكانية المشاركة بعد إزالة الشرط السياسي. والأهمية التي تكتسبها العملية الانتخابية في إطار تجديد الهيئات المحلية، لما من شأنه تعزيز الصمود الشعبي وحماية النسيج المجتمعي في ظل واقع الاحتلال الذي يفرض مخططاته، وهو ما يجب العمل على مواجهته ضمن الإمكانات. ربما لا مجال للمقارنة هنا بين الانتخابات التي جرت العام 1976، وأدت في حينه إلى فوز كاسح لقوائم التيار الوطني المدعوم من م.ت.ف، وفشل محاولات الاحتلال فرض مرشحين يتعدى دورهم الانتخابات المحلية ليحلوا محل منظمة التحرير. اليوم، بصراحة، نحتاج إلى فحص جدي لما أفرزته نتائج الانتخابات الحالية، بناءً على الحقائق التي تتجلى، والبحث عن سد الثغرات ومواجهة المخاطر ومعالجتها على قاعدة مرتكزات واضحة تمامًا، تصون الإرث الطويل من العمل القائم على الوحدة، رغم وجود حالات اختلاف هنا وهناك في أحيان كثيرة.مسألة أخرى جديرة بالنقاش، حول طغيان وجنوح مزاج الناخبين والترشيحات للمزيد من الطابع العشائري بالمعنى العصبوي (أي، بصراحة أكثر، على حساب الفصائلي)، رغم محاولات تغليف الفصائل بالعشائرية في (توليفة) غير متجانسة. وإمكانية الإيفاء بمتطلبات العمل المشترك القائم على وجود قاعدة شعبية واسعة تشكل درعًا حاميًا لأي هزات تمكن أن تتعرض لها المجالس، مما يصعب من القيام بدورها في إطار رؤية أوسع كثيرًا من كونها خدماتية فقط. إنها تتعدى ذلك إلى مجالس حماية لا جباية، تحاول عبر إشراك أوسع القطاعات داخل الموقع والهيئة المحلية، ضمن توجه تشاركي قائم على المساندة ورفد المجالس بمقومات البقاء والاستمرار، من جهة بالدور الخدمي المحدد، والعمل أيضًا على تطوير آليات تتناسب مع الرقمنة والتوسع الحضري، والانتقال إلى مساحات العمل بثورة التكنولوجيا، وصولًا إلى البيئة ومشاكل التلوث والمساحات الخضراء، والاهتمام بمجالس الظل وجيل الشباب والمؤسسات القاعدية. لتشكل جميعها لوحة يمكن من خلالها العمل بصورة ترتقي إلى مستوى التحديات، في ظل سيادة القانون وتعزيز الشفافية والنزاهة والحكم الرشيد. فالانتخابات هي بوابة لتوطيد عناصر القوة للمجتمع، ومعالجة الثغرات، واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة عبر صندوق الاقتراع في الانتخابات الحرة المباشرة.المسألة الأخرى في هذا الإطار، التي لا بد من المرور عليها، لها علاقة بجودة ونوعية ومميزات استفادة الجمهور من الخدمات في عمل الهيئات المحلية. وهنا أيضًا تجد إجباريًا أن الاحتلال يطل برأسه، فأي خدمات يمكن أن تلبي احتياجات المواطن؟ حيث يسجل غياب أو تلاشي أو ضعف الإشارة في معظم البرامج الانتخابية والدعاية للقوائم المختلفة، لإبراز الطابع المتعلق بمجابهة اعتداءات المستوطنين والمصادرات وهدم البيوت، باعتبارها (كما أسلفنا) تمثل تهديدًا وجوديًا.فعلى المجلس تكريس جهد للوضع الذي نعيش، وإدراج برامج تعزيز الصمود ضمن خطة للحكم المحلي ووزارات الاختصاص الأخرى، وألا يقتصر الدور على جمع فواتير الكهرباء والمياه وتركيب عدادات الدفع المسبق (تسليع) الخدمات التي تثقل كاهل المواطن في ظل ظروف عجز كبيرة يراها الجميع. ومن شأن احتضان وتطوير شبكة علاقات، وإيجاد بدائل وابداعات جيل الشباب، أن يصل إلى مجلس بلدي أو قروي يعي دوره ومصادر قوته المجتمعية، ضمن معطى واسع يستوعب التجارب ويعيد الاعتبار لقضايا المواطنة والانتماء، وقيمة العمل التطوعي والمشاركة الشعبية على أساس أولويات. مثلاً: هل يمكن الحديث اليوم عن توسيع الخارطة الهيكلية للقرى والبلدات؟ وتشجيع الأزواج الشباب على إقامة تعاونيات زراعية أو منشآت مدرة للدخل، وهي أحد الحلول لمشاكل البطالة بعد توقف العمالة داخل الخط الأخضر، وفي ظل الأزمة المالية للحكومة مع استمرار قرصنة المقاصة؟ كثيرة هي التساؤلات، لكن الأساس هو الاستثمار في الجهد الجمعي (أي الموارد البشرية) والتجارب الخلاقة لصناعة التغيير المنشود، برؤية جامعة تخدم الجميع.انقضت الانتخابات المحلية باعتبارها استحقاقًا وطنيًا ديمقراطيًا، وهي عملية تراكمية من شأنها، إذا أحسن استغلالها، أن تلبي احتياجات الجمهور الأوسع في القضايا التي تخص عملها، إذ تتعدى الخدمية إلى فضاء أوسع ننشده جميعًا. وهي يجب أن ترتبط بالشأن الداخلي المحلي، وتحملها أجندة تحددها أولويات الشعب الفلسطيني. المسألة تتعدى مواءمة الأولويات على بنود وثيقة الإصلاح، التي تضغط دول غربية عديدة لإنجازها (الدول المانحة) ضمن اشتراطات سياسية تمس ثوابت الشعب الفلسطيني تحت يافطة الديمقراطية، وتتناسى واقع شعب تحت الاحتلال الذي يقوم بتدمير كل شيء في حياتنا، ولا يريد لنا الخير ليسمح بإجراء الانتخابات. وعلينا تعزيز إرادة التحدي حتى في الانتخابات التي يمنعها في القدس مثلاً، وتطوير آليات الاشتباك السياسي لإثبات بطلان وزيف ادعاءاته.المؤشرات التي حملتها نتائج هذه الانتخابات، ولو بشكلها الأولي، لا يجب التقليل منها. ونسب التصويت (56%) هي متدنية نوعًا ما، وهي تعكس خيبة أمل لدى جمهور واسع، رغم تسجيل وعدم إغفال النقطة الهامة: أن مجرد إجراء الانتخابات في هذه الظروف والتحديات هو إنجاز كبير، في حين كان هناك من يشكك في إمكانية أن تجرى أصلًا. والعبرة بالقادم، والمعيار الأساس هو الالتزام بالبرامج وتطبيقها، وتقديم أفضل الخدمات للمواطن، فهو الأساس، والحق في حمايته ووجوده أولوية قصوى.
قراءة أولية لنتائج الانتخابات المحلية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)