"نفسي أنام على تخت زي الأول، ونقعد على البرندة نشرب كوباية شاي". بهذه الجملة يختصر أحد سكان غزة، في حديثه للجزيرة، ما تبقى من أحلامه. لا بيت جديد ولا سفر؛ مجرد سرير وشرفة وكوب شاي.
تبدو الأمنية صغيرة إلى حد يثير الدهشة، لكنها تختصر انقلابا في معنى الحياة. فكلمة "بديهية" تشير إلى ما لا يحتاج إلى برهان؛ النوم على سرير، شرب ماء بارد، أو خروج الطفل إلى المدرسة وعودته. وبعد ثلاث سنوات من الحرب والنزوح، تحولت هذه الأفعال، بحسب شهادات سكان نقلتها الجزيرة، إلى مطالب تحتاج صبرا وجهدا ومخاطرة.
والأهم من إحصاء ما فقده أهل غزة هو فهم كيف حدث الفقدان. فالشهادات لا تروي قائمة نواقص، بل تكشف منطقا متسلسلا لانهيار منظم: حين يسقط الأمان، تسقط معه القدرة على حماية المساحة الخاصة، ثم على تدبير المعيشة، ثم على تأمين المستقبل. كل طبقة تجعل التي تليها أصعب، وهذا ما يمنح عبارة "قاموس البديهيات المفقودة" معناها.
يضع أحد السكان "الأمن والأمان" على رأس ما فقده، موضحا للجزيرة فلسطين أن الخوف بات يستولي على تفاصيل اليوم حتى أثناء النوم، وأن صوت انفجار أو مرور سيارة عابرة يتحول إلى فزع فوري ومخاوف من استهداف مفاجئ. ما يصفه ليس شعورا عابرا، بل انهيار القدرة على توقع ما سيحدث؛ ذلك الرابط الذي يقرن خروج الإنسان من بيته بعودته إليه.
وهنا يأخذ انعدام الأمان وجهه الأقسى في فقدان الأبناء. يروي أب للجزيرة استشهاد نجله الأول تحت الركام أثناء محاولته إنقاذ قريبه، قبل أن ينقطع الأثر عن نجله الثاني الذي خرج لشراء الطحين ولم يعد. وبالمعنى ذاته، لا تزال أم معلقة، بحسب روايتها للجزيرة، بين أمل عودة ابنها الوحيد أو التحاقه بصفوف المفقودين. هنا تتحول العودة ذاتها من أمر متوقع إلى أمنية.
الطبقة التالية تتعلق بما يحمي الإنسان بعد الأمان مباشرة: مساحته الخاصة. فالمأوى ليس جدرانا تقي من الطقس فحسب، بل حيز يحفظ الخصوصية والكرامة. تروي إحدى النازحات "للجزيرة فلسطين" أن الخصوصية غابت تماما في ظل تقاسم الفصل المدرسي الواحد بين ثلاث أو أربع عائلات، وهو ما حرم الأبناء من غرفهم وأسرّتهم المستقلة.
التعليقات (0)