f 𝕏 W
الإدارة الحكومية : فيل في الغرفة أم حصان ميت؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

الإدارة الحكومية : فيل في الغرفة أم حصان ميت؟

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

على طاولة مجلس الوزراء نسخة مطبوعة من عرض تقديمي في واحد وعشرين شريحة. المستشار الخارجي يتحدث عن المرحلة المقبلة. وموظفة في ديوان المجلس تقف في الخلف تتصفح هاتفها لأنها تحفظ العرض عن ظهر قلب، فقد حضرتْه من قبل كثيرًا، لكن تحت عناوين أخرى.المشروع المطروح هو نفسه الذي أطلقته الجهة قبل ست سنوات باسم مختلف. تبدّلت الصياغات، وأعاد الفريق ترتيب المحاور، وأضاف إلى العنوان كلمة (رقمي)، لكن الفكرة بقية نفسها، والمخرجات بقية نفسها، والمؤشرات التي لم تتحرك نفسها. لا أحد يسأل السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح: هل الفرض الذي بُني عليه هذا المشروع ما يزال صحيحا أصلًا؟بعد ساعتين يخرج الجميع بمصفوفة عمل محدثة. ترسلها الموظفة بالبريد الإلكتروني. لا يفتحها أحد. بعد ثلاثة أشهر تنعقد جلسة متابعة لمناقشة أسباب التعثر. يتفق الجميع على تشكيل فريق تنسيقي. يكتب أحدهم التقرير ويرسله إلى الديوان الذي تعمل فيه الموظفة، والتي بدورها تصيغ خطاب موجه لتُشكيل لجنة مراجعة موسوم بختم و ترويسة المجلس. ويستمر كل شيء.هذا صباح عادي في مئات المؤسسات، من الوزارات إلى المنظمات، ومن مكاتب المانحين إلى غرف الاجتماعات العليا.يقول المثل : "حين تكتشف أنك تمتطي حصانًا ميتًا، فإن أفضل استراتيجية هي أن تترجّل".الإصرار على ركوب الحصان الميت هو الواقع المؤسسي، هو كل شيء عدا الترجّل: تغيير السرج، تبديل الفارس، تشكيل لجنة لدراسة أداء الحصان، الاستعانة بخبير دولي لتقييم حيوية الحصان، إعادة تسمية الحصان، أو في أسوأ الحالات ربط عدة أحصنة ميتة معًا أملًا في أن تتحرك، وهنا تتجسد تسمية الفيل.في هذه الحالة لا يجرؤ أحد على القول إن الحصان قد مات، إنما يقولون إنه يحتاج إلى مراجعة، أو إعادة هيكلة، أو منصة جديدة، أو فريق دعم، أو مرحلة ثانية. ويصر الجميع على إصلاح السرج لأن إصلاح السرج يُنتج حركة: اجتماعًا، وتقريرًا، ومهمة، ومسارًا فرعيًا، وبداية وهمية. ولهذا يستمر ضخ الوقت والمال والجهود في شيء فقد شروط حياته، لأن النزول عنه يفتح أسئلة لا يريد أحد فتحها: من الذي قرر هذا المسار أصلًا؟ ومن وقّع؟ ومن موّل؟ ومن استفاد؟ ومن سيُسأل إذا قيل الآن، بعد كل هذا الوقت، إننا كنا نبني فوق فرضية منتهية الصلاحية؟هذا هو جوهر العطب: أن تصبح كلفة الاعتراف بالموت أعلى من كلفة استمرار الفشل.ركوب الحصان الميت لا يستمر عبثًا، فله منطق يبدو معقولًا تمامًا.أول هذا المنطق هو مؤشر التكلفة (التكلفة الباهظة). فحين يبذل المسؤولون سنوات من الجهد، وملايين من التمويل، وعشرات العقود، ومئات الصفحات من التقارير، يتحول البرنامج من مجرد أداة إلى جزء من هوية المؤسسة، ومن صورة القيادة عن نفسها. التوقف عندئذ يصبح اعترافًا بأن زمنًا كاملًا استُهلك في الاتجاه الخطأ. وهذا النوع من الاعتراف نادر في منطق الحكومات وإدارتها."تجربة باري ستو : حيث أبلغ مجموعة المشاركين أن مشروعًا استثماريًا يفشل، لم يوقفوه، بل ضخوا فيه أكثر. والأشد أن هذا السلوك تضاعف حين كان المشارك هو نفسه من اتخذ القرار الأصلي. القرار السابق صار جزءًا من صورة الذات وإلغاؤه يعني شرخًا في الأنا لا في الميزانية".انقل هذا من المختبر إلى وزارة أو مكتب مانح أو هيئة سيادية، وستفهم لماذا يستمر الضخ حتى بعد أن يعرف الجميع أن الحصان توقف عن التنفس.الأمر الثاني هو منطق البقاء المؤسسي، فهناك مؤسسات كثيرة تكافئ من يبقي برنامجه أو مشروعه حيًا على الورق. ولو كان في المسار الخاطئ، لأن من يغلق البرنامج يخسر ميزانيته وفريقه ومكانته ومساحة نفوذه. أما من يمدّده، ويعيد تغليفه، ويطلق (المرحلة الثانية)، فيحافظ على كل شيء: التمويل، والوظائف، وسلسلة التقارير، وربما السفر أيضًا. ولهذا فالحصان الميت ليس عبئًا على الجميع،هناك دائمًا من يعيش على جثته.حين يموت الحصان، فتُعاد معايرة الميزان ليظهر أنه ما يزال يتحرك. ويزداد الأمر خطورة إذا كان هذا المنطق يُتعامل معه على مستوى بلد بأكمله، ففي بعض البلدان، خاصة التي تمر في مراحل انتقالية وإعادة بناء الدولة، يتعامل بعض المسؤولين مع الواقع وكأن فرضياته القديمة ما تزال قابلة للحياة. والأقسى من ذلك كله أن نخبًا، في الداخل والخارج، ما تزال تتعامل مع الدولة والاقتصاد والمجتمع بأدوات ما قبل الكارثة.من يتخيل أن مركزية صلبة قادرة وحدها على الإمساك ببلد تغيّرت جغرافيته السياسية والاجتماعية، فهو يركب حصانًا ميتًا. ومن يستدعي وصفات سوق مفتوح لاقتصاد فقد جزءًا هائلًا من رأسماله البشري وبنيته الإنتاجية، يركب حصانًا آخر. كلاهما يناقش شكل السرج، لا حياة الحصان. ومن هنا تكمن خطورة الحصان الميت في أن كثيرين يعرفون أنه مات، ثم يواصلون ركوبه، لأن النزول عنه يفتح أسئلة لا يملكون لغة لقولها ولا بنية لاحتوائها.لكن السؤال الأخير لا ينبغي أن يظل موجهًا إلى الآخرين وحدهم، فبعض أخطر الأحصنة الميتة تقيم في تصوراتنا نحن: مشروع نعرف أنه لم يعد يحملنا، أو خطة نستبقيها لأنها تمنحنا شعورًا زائفًا بالاتساق، أو صورة عن المسار لم تعد حية، لكننا نواصل ترتيب كل شيء حولها كي لا نعترف بأنها انتهت. فالحصان الميت لا يسقط بالضرورة أمام الجميع. غالبًا يُحنّط، ويُعطّر، ويُعطى اسمًا جديدًا، ثم يُدفع إلى الطاولة بوصفه مسارًا واعدًا. والحقيقة أن الحصان ميتاً على طاولة الإدارة والجميع يعرف، لكن لا أحد يجرؤ على دفنه.———الإصرار على ركوب الحصان الميت هو الواقع المؤسسي، هو كل شيء عدا الترجّل: تغيير السرج، تبديل الفارس، تشكيل لجنة لدراسة أداء الحصان، الاستعانة بخبير دولي لتقييم حيوية الحصان، إعادة تسمية الحصان، أو في أسوأ الحالات ربط عدة أحصنة ميتة معًا أملًا في أن تتحرك.

الإدارة الحكومية : فيل في الغرفة أم حصان ميت؟

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)