لم يكُن موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية يوماً مجرد تقويم زراعي عابر، بل يُمثّل ساحة اختبار مفتوحة لأكثر القضايا إلحاحًا في واقع الحياة الفلسطينية: جدلية الإنسان وأرضه؛ ففي خريف كل عام، تُطلّ الأسئلة ذاتها: من يملك حق الوصول إلى الشجرة؟ ومتى؟ وبأي شروط؟ ومن يملك سلطة القرار؟
غير أن موسم العام الجاري يشي بشراسة غير مسبوقة؛ إذ تُظهر الشهادات الميدانية والمعطيات الرسمية ملامح منظومة قيود إسرائيلية تتمدد بوتيرة متسارعة، لتُحول الحق الأصيل والأزلي إلى مجرد امتياز مؤقت يُمنح ويُسحب بمزاجية عسكرية.
في قلب هذه المنظومة المُحكمة، يبرز رقمٌ تتسارع ظلاله القاتمة؛ يتجسد في المساحات الزراعية التي يُلزم الاحتلال الإسرائيلي أصحابها باستصدار "تنسيق عسكري مسبق" لوطئها. إقرأ أيضاً حقول الزيتون بالضفة الغربية مستباحة.. سرقة للثمار وتزوير مفضوح للتراث
ويقول مدير مركز التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، إنّ مساحة الأراضي المشروطة بالتنسيق قفزت خلال موسم 2026 إلى زهاء 88,300 دونم، مقارنة بـ 68,800 دونم في الموسم المنصرم، متجاوزة نسبة زيادة تبلغ 28%.
ويستعرض داوود في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، تحولاً موازيًا يفيض بالدلالات؛ إذ انكمشت المساحات التي يفرض فيها الاحتلال قيوداً على تحركات المستوطنين من نحو 10,700 دونم إلى 6,890 دونمًا فقط.
ويصل هذا التراجع بحبل التوسع الاستيطاني المتسارع، ولا سيما "الاستيطان الرعوي" الذي شكل العثور الأبرز خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ حيث وضع المستوطنون أيديهم على الأراضي عبر تشييد أكثر من 211 بؤرة استيطانية، استحالت أدواتٍ لابتلاع مساحات زراعية شاسعة، حتى أغلقت ما يربو على المليون دونم أمام أصحابها الشرعيين.
التعليقات (0)